قد لا يكون هنالك
من شك بأن الدين من خلال سيطرته الممتدة عبر مراحل التاريخ على مفاصل الحياة
بالإضافة إلى العوامل والظروف التي ساعدت على استمرارية حضوره الزمني استطاع بحكم
تأثيره الواسع في الأوساط أن يتجاوز كل منعطفات التحول والتغيير في إعاقة واحتواء
مسارات التطور المعرفي والتي انبعثت من حاجة الواقع لاستيعاب متطلبات الموائمة
وتشكلت بمعطيات الترهل والجمود مفترقاً للخلاف والصراع في محاولة الفكر التجديدي
لاستيعاب قضايا الفكر الإنساني ومشكلاته المعقدة لمعالجة الظواهر والمعوقات الظرفية لانتظام الحياة ..
وباعتبار الشاهد في قضية الدين والمعرفة هو في ركيزة تصفيف
موجبات الإدانة واستحقاقاتها قضية الفكر المعرفي الذي تشكل به العقل الديني
بمسوغاته الروحية والأخلاقية والعقائدية كإطار شمولي لاستيعاب منظومة العلاقات
والروابط والقواعد والضوابط الأخلاقية للتعايش فدليل الفهم في استيعاب صحته من
عدمه يستوجب أن يرتكز مبدأ المعالجة على تشريح المبادئ والأسس المعرفية التي صاغت
وحدة المفهوم على الغاية من تمثيل وظيفته للحق الإلهي مرجعية ثابتة ..
ومقتضي توضيح هذه المسئلة أن الأساس في صحة الفكر الديني
أو السياسي أو الاجتماعي ومعالجاته لكل قضية تستوجب أن تحتكم معادلاته القياسية
لمبادئ وأهداف القيمة من توظيفه المنظور بتصفيف المنهج للقاعدة المعرفية التي
ينطلق منها وتلك من حيث اعتبار الشاهد في
ظهور الدين بمختلف اتجاهاته هي مرجعية الإله الخالق وجاء توثيق المصادر معلوم
توافقياً بمرجعية النصوص الدينية للوحي الإلهي وعلى ذلك فإن صحة الدين إن جاز ثبوت
مصداقيته كان من المفترض أن تكون مبنية على ثبوت الإجماع على حقيقة إلهية واحدة
دليلها معرفته ومطابقة في النهج لقاعدة وجوده وهو مالم يلتزم به الفكر الديني
بمختلف اتجاهاته في اشتراع تجزئته في الوسائط بالإضافة إلى توظيف الجهل معرفة قرائنها
التسليم بالأساطير والمعجزات وقصص الأولين قاعدة
للتصديق..
وفي هذا الصدد قد تتباين الأحكام في قراءتنا للتجارب
الدينية بين ديانات أقامت منظوماتها على محاولة استيعاب المعرفة قاعدة لاهوتية
كالفرعونية وبلاد ما بين النهرين وغيرها من الديانات التي أرسى حضورها قيام حضارات
لاتزال صروحها تروي معجزات الإنسان القديم في استيعاب القوانين الكونية والتي وقف
العلم الحديث حائراً في تفكيك معادلاتها حتى اليوم وأخرى آمنت بالمعرفة ركيزة
لاهوتية وانحسر أفقها على نبذ الدنيا واختزال فرضية التوحيد في الجانب الأزلي
وروحانية تطهير النفس كالبوذية والجينية التي انطلقت من فكرة(النيرفانا) في معنى
الاستنارة وتلك بمجملها رغم أنها تُعد من الديانات الوثنية التي ارتكزت رمزية
الإله عندها على الظواهر والشخوص والتقرب
إليها في تجسيد الأوثان لها إلا أن تباين أدوارها في محاولة استيعاب المعرفة ونتاجها
في صياغة روافد الحضارة البشرية رغم أن معظمها قامت على حساب امتهان كرامة الإنسان
إلا أن المعطى الزمني لتلك التجارب كان له كبير الأثر في تغيير مسار التحول الزمني
نحو الأمام ..
وهو الأمر الذي
اختلف كلية مع ظهور الديانات السماوية والتي انبعثت من وعي الحافز السلطوي وأهدافه
في توظيف المقدس مطية للسيطرة على الإنسان والوجود انطلاقاً من فرضية إلغاء العقل
وتجميده في محيط الدين كما هو في اليهودية والمسيحية والإسلام الأمر الذي ترافق مع
تراجعها للخلف وانكفائها على تذويب النسيج الاجتماعي في أيقونة الصراع حضوراً ممتداً أرست تبعاته تاريخاً دموياً
منقطع النضير بلغ حد الإبادة الجماعية للأقليات الخارجة عن طاعتها في معظم شعوب
العالم بالتزامن مع تقويض الحضارات السابقة وطمس مآثرها التاريخية والمعرفية
تتويجاً للانتصارات ..
وتبيان القيمة في ركيزة استيعاب الدين للمعرفة بالله من
عدمها أن الأساس في نشأته وحضوره الزمني انتظم في سياق التلبس بالفضيلة مشروعية
ائتمان لاهوتي تستقصي منهجيته في كل معتقد بلوغ الغاية في الخلاص من الشر عقد
انتظام الشراكة الأخلاقية في الحياة..
غير أن هذا المبدأ تلاشى
بين تضارب المصالح والأطماع في حلبات الصراع وأوهام التفرد سفر غيبوبة وعماء دان حضوره لتغييب العقل عن
المعرفة والارتهان للجهل عاضداً لاستلاب الشعوب وترويضها على التواكل والقبول
بالأمر الواقع في سياق تجاوز مسئولياته في بناء الحياة ..
وكل تلك الشواهد تصل بنا إلى أن الدين حين أقام ركيزة
وجوده على تهويم القاعدة الإلهية للمعرفة تضميناً بإلغاء العقل لم يقف وحسب عند
تقييده عن الاستكشاف والاستيعاب الصحيح وإنما تجاوزها بحكم سيطرته على الواقع إلى
تحصين ضالته المعرفية بوهم الاعتقاد الأعمى ليؤسس بذلك إلغاء حقيقة وجود الله
عقلاً في توطين الجهل في النفس لاهوتٌ مقدس وقاعدة شيطانية تنتهج الغواية في توظيف
الإله مطية للترهيب والترغيب وتنزع عن الامتثال لوحدته وتوحيده في امتراء البدائل
في النصوص والشخوص عقد ربوبية واستحقاق
متضارب..
ولذلك استحكمت أدوات انغلاقه على نفسه في كل محور بتوثيق
قيود الارتباط بالهوية عقد مشروعية فاصلة بين الأمم أرست ثوابت المعرفة على
تناقضاتها الفكرية والعقائدية والتي عززت بدورها من توظيف الاجتهاد الديني
لاستيعاب المغالطة في التفاضل والارتهان لدوافع الخلاف والاختلاف حول تمثيله مطية
للتجديد والتحول وقاعدة للاشتباك المتعارض عمد نتاجه تغييب المبادئ التي صاغت
وحدته في كل منهج وتشكلت بمحاذير الغموض والقصور في قراءاته نزعات متصارعة علَّمت
شواهدها انتاج الملل والنحل بدائل متشابكة حول احتواء قدسيته في كل دين..
ولأن الدين لم يرتكز على حقيقة معرفية مثبتة وجاء ظهوره
مرتبطاً بتمثيل نظام الحكم فقد وجد ضالته في السيطرة على الإنسان ركيزة بديلة
للمعرفة بعدالة النظام الكوني استوعبها المعنيين بتمثيله من تناقضات الخير والشر
في تشكيل طبيعة النفس البشرية المركبة من تداخل الرغبات والأهواء والطباع والدوافع
المعنية بتمثيل المقاصد الدنيوية للأمان والاستقرار والسعادة في الحياة قرينة
موازية لامتراء الغاية في الثواب والجزاء في العالم الآخر مطية استحقاق غيبي
يستثني واجبات الدولة على المجتمع في تمثيل قوانين الانضباط بالتصريف المحكم
لتطبيع الاستلاب في اختزال علاقة الإنسان بالخالق في التبعية للدين وهو ما تعارف
عليه الاتجاه الديني في السياق العام بوجوب الاعتقاد المرتبط بما فوق الطبيعة
أو(المقدس الإلهي) ..
وهو الأمر الذي حدا بكثيرٍ من المنحازين للخصوصية المقدسة
أن يتجاوزوا منطق الفصل بين ثوابت المعرفة ومتغيراتها بالتعاطي مع توثيق مفهوم
الدين على أنه المرجع العام للإجابات التي تفسر علاقة الإنسان بالكون وقوانينه
الأزلية..
وذلك مالا ليس صحيحاً على الإطلاق بدليل أن الأديان لم
تقدم للإنسان أي إجابات سوى الأوهام وهي بمجملها تقوم على انعدام الوفاق الديني
على حقيقة معرفية مشتركة بما في ذلك أحكام الألوهة وانحسار إشكاليتها على تعدد
واختلاف قراءاته المتضاربة في احتواء الغيب قاعدة مبهمة تلازمت مع تأطير القاعدة
المشتركة للعقل الديني في الغاية المنوطة بتمثيل مشروعية كلٍ منها للوصاية على
الوجود..
ولعل أبسط مثال
على ذلك ما نراه شائعاً في تطبيع أدواته
لبعض الأخطاء المعرفية وعلى وجه الخصوص في الديانات الكبرى الثلاث حيث سادت في
الأوساط فرضية معرفية حول تاريخ نشأة الكون ووجود الإنسان على كوكب الأرض محورها
تقدير العمر الزمني للوجود والحياة بسبعة آلاف عام وهي فرضية برزت في ظل الواقع
الزمني لغياب التدوين التاريخي ومحاولة التعاطي مع توثيق صلة الدين بالأمر الإلهي
وامتراء ترجيح نشأته وظهوره بالمراحل الأولى لخلق الإنسان (آدم) وتسلسل النبوءات
في سلالته المختارة واعتبار ما عداها عقائد وضعية خارج نطاق التاريخ..
وفيما يتجاوز هذا
الاعتبار العامل الزمني لنشأة وظهور المعتقدات القديمة والتي شكلت منبع التأسيس
وعلى سفورها نشأت ديانات أرست دعائم الحضارة البشرية كالفرعونية والآشورية
والبابلية والكلدانية في الشرق الأدنى وغيرها في الهند والصين واليونان ألا أن
منهجية الديانات الحديثة وعلى وجه الخصوص اليهودية والإسلام ظلت تراوح بين خطي
تثبيت الفرضية وتجاهل الحقائق رغم ظهور المعطيات الحاسمة في دحض هذه النظرية
والاستدلال بالكشوفات الأثرية ومنها النقوش والمقابر والتماثيل والرموز والتي يعود
تاريخها إلى أكثر من 300،000سنة ويستدل بها علماء الآثار على امتداد وجود الإنسان
إلى عصور ما قبل التاريخ وارتباطه بمعتقدات موغلة في القدم ..
والقضية هنا أن
مسألة الفرضية الزمنية لعمر الكون قد تتجاوز موضوعيتها كل محاذير الاحتمالات
النظرية لنشأة الكون إلى توثيق أصل الدين وعلاقته المجازة بتمثيل الأمر الإلهي وفي
سياق الكشف عنها ما يؤسس واقعاً بدحض مصداقيته في صحة الإسناد المعرفي تلازماً مع
إسقاط مشروعيته الاعتبارية والتي استحكمت أدواته برفض كل مستجد يتعارض مع رؤيته..
وهذه الإشكالية رغم أنها شكلت محور التقاء
الديانات الثلاث إلا أنها أيضاً تحولت إلى مفترق خلاف حول التفرد بمشروعية الدين في ادعاء كلٌ من اليهودية ومن
بعدها المسيحية ثم الإسلام على انها أصل الدين فيما شكلت مع بداية القرن التاسع
عشر جدلاً واسعاً أثمرت معطياته عن ظهور نظريات مختلفة حاولت إسقاط كل تلك
الادعاءات لعل أبرزها نظريةً تفسير أصل الدين وتطوره التي أطلقها (إدوارد برنت
تايلور) (1832-1917) في سياق دراسة وتحليل مفهوم الأنيميَّة (الأرواحيَّة) والتي
استنتج فيها من خلال دراسته الميدانيَّة لبعض قبائل الهنود الحمر أن جميع العقائد
ظهرت كنتاج للتفسير الخاطئ لبعض الظواهر التي يعيشها الإنسان في اللاوعي مثل
الأحلام والأمراض والنوم والموت ، وتلك بدورها هي التي استحكمت بنشوء الاعتقاد
بوجود الأرواح والآلهة والجن والشياطين وغيرها من المفاهيم اللامنظورة فيما يرى
فيها تايلور أنها الأصل الثقافي للمعتقدات القديمة على اختلاف أنواعها والتي تطورت
في مرحلة المدنيَّة إلى فكرة الإله ..
كما ظهرت نظريات
أخرى منها ما يرى بأن أصل العقيدة بدأت باللذة وأخرى ترجئها لنزعة الخيال عند
الإنسان وتعلله بالتفسيرات الأسطورية غير أن كل تلك النظريات واجهت انتقاداً واسع،
ومع ذلك لم يتحقق أي إجماع على أصل وطبيعة الدين..
وبرغم أن الدين
استطاع أن يحيط نفسه عبر مراحل التسلسل
الزمني بقدسية المكانة الروحية التي مكنته من فرض سيطرته على حياة ومصير الشعوب
والأجيال إلا أن تشبث مرجعياته باحتواء الجهل معرفة غيبية سندها الأساطير
والمعجزات والروايات التي لا تحتكم للتوثيق التاريخي وأسانيده كان له انعكاس الأثر
على تخلف الواقع وجموده المعزز بطبيعة الارتهان المتشابك لقضايا الصراع والأطماع..
وتلك بدورها هي
التي أجازت لمرجعياته الدينية في العصور القديمة والوسطى ومن ثم عصور النهضة
وصولاً إلى عصرنا الحديث توثيق معتقداتها الغيبية حقائق معرفية ثابتة استوعبها
الاجتهاد الديني مطية استفراغ الموروث المتعثر في نزعات الاحتواء تجيز التحليل والتحريم والقهر وسيلة لشيطنة
الفكر التجديدي بمعارفه وعلومه وصولاً إلى تأويل النصوص بالتنبؤات المسبقة لظهور
الكشوف العلمية كمحصلة لتجاوز القصور والنقص والجهل والشر في توثيق فكره للاعتقاد
الغيبي شواهد ثابتة للتسليم..
وهو الأمر الذي
فرض اتساع انحرافات القائمين عليه في المسيحية ظهور العلمانية في نهاية العصر
الوسيط كمرحلة أولى لتحرير العقل السياسي من عقد الارتباط الديني أثمر نتاجه تحول
العالم من عصور الجهل إلى عصر العلم واستحقاقاته الرافدة للارتقاء بحياة الشعوب
التي انضوت تحت لوائه..
غير أن هذا التحول كحدث ظرفي قام على استفراغ المعادلة في
فصل الدين عن الدولة مشروعاً لتغيير أدوات الحكم أثمر نتاجه تحييد واستبعاد رجال
الدين عن المشاركة في السلطة لم يستطع تجاوز المحاذير الزمنية التي فرضت نفسها على
طبيعة الواقع بملابساته في استيعاب موروث الصراع
بأحماله وانعكاساته حيث ألقى بعواهنه على تجاهل النظم العلمانية لقيم
الشراكة الإنسانية وأخلاقياتهافي التعامل واختزال التحول في توجيه الصراع إلى بناء
منظومة اقتصادية ظلت حبيس الارتهان للهوية الدينية وأهدافها في السيطرة حيث
استطاعت القوى الخفية للدين أن تسخر ما يسمى بالاقتصاد الحر لخدمة رؤوس المال المنضوية
تحت لواء العقيدة والتي شكلت قاعدة توجيه السياسات الدولية على استيعاب التحالفات للتطور
الاقتصادي مطية مزدوجة بين سباق التسلح وسيلة للهيمنة والتوسع في بسط النفوذ
بموازاة احتكار أدوات الانتاج الصناعي بروافده المختلفة لفرض السيطرة على الأسواق
التجارية والتي ترافقت مع استحداث وسائل تفكيك وتمزيق الشعوب المستهدفة عبر توطين
المفاهيم المغلوطة في الدين والتي انتجت بدورها عوامل انبعاث النزعات الغوغائية
كوسيلة لبث الفتن وخلق الحروب بالتلازم مع احتواء النخب الدينية والسياسية الفاسدة
والمتطلعة للحكم في الدول المستهدفة ودعمها للوصول إلى سدة السلطة تمهيداً لتنفيذ
مخططاتها في الهيمنة والاستحواذ على مقدرات الشعوب وصولاً للسيطرة على العالم..
وهو الشاهد الذي أرسى قاعدة التحول الاقتصادي على طبيعة
الفصام الدولي واختزال أدواته للسياسات والنظم للعلاقات الإنسانية قاعدة متناقضة
بين تمثيل إرادة الشعوب للاستقرار السياسي والاقتصادي على منهجية الصراع وتأرجح
الحلول بين المعالجات المحدودة لقضايا العدالة الاجتماعية بموازاة الانفتاح على
استثمار المعرفة في انتاج وسائل الاتصال والتواصل ومتطلبات الارتقاء بالحياة
بالتلازم مع تطوير أدوات الصراع والسباق العسكري والتي شكلت بدورها امتداد الشر
واتساع محاوره وجسوره ترافقاً مع تصاعد المعوقات في تعزيز موجة البطالة والفقر
والذي انتظم في سياق التفكك وانعدام التوازن مع تفشي ظواهر الانحراف كنتاج طبيعي
لمنهجية الفساد السياسي واستحكام رموزه على توجيه دفة الواقع..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق