نبوءة العقل

الحقيقة في إشكالية التاريخ

 

حين نخوض في دراسة وتحليل حركة التاريخ مروراً باستيعاب وتفسير أحداثه وتحولاته غالباً ما يغيب عن الذهن ترابط قضاياه بأشكالية الإنسان والمعرفة المتعثرة بين معضلة فهم قوانين الوجود والحياة وتصاعد حدة الصراع الممتد عبر العصور المتلاحقة كأهم القضايا التي رسمت خارطة التفكك الديموغرافي واستحكمت بتجذر مفاصل الشر وأدواته المسترسلة في تعقيد سُبل الأمان والاستقرار في الحياة ..

وكنتاج لذلك تعودنا على أن نعيش الحياة بغموضها العائم في متاهة المجهول واقعاً مفترضاً لمتناقضات التجارب والمعارف والثقافات والمعتقدات والنواميس والقواعد والضوابط  التي نتشكل بمفاهيمها وعياً وسلوك وسمات وأخلاق وتعاملات متشابكة تحكمنا ارهاصاتها العفوية بمحاذير الخلاف والاختلاف في تركيبة الفهم التبعي أن نتعاطى بوعيها دون إعمال العقل في البحث عن الأسباب  والنتائج وقراءة الخطاء والصواب في تجاربها الزمنية من منطلق احتراز الضرورة المعرفية للمراجعة والتثبت من ملابساتها بهدف الإصلاح وتصحيح الخلل في انعكاساتها على واقعنا ومصيرنا في جدوى استدراك الغاية من وجودنا على هامش الحياة..

وقد لا يكون هنالك من شك أن معضلة الحقيقة لم تكن عبر مراحل التاريخ مجرد قضية هامشية عابرة  أو آنية فرضت  تداعيات الخوض في البحث عنها مشهدية الظروف ومعوقات الاستقرار  ولوجاً بمحاولة  تفسير  ما وراء الوجود والحياة بقدر ما شكلت  أهم القضايا المطلبية في تواصل العصور كضرورة حتمية استقصى فيها الإنسان محاولة استيعاب الدليل المعرفي لمعنى وجوده في الحياة كمفصل أساس لتقويم سلوكياته وعلاقاته في منهج الحياة والوصول للمخارج والحلول لمشكلاته المستعصية في الواقع..

وفي سياق البحث عن الأسباب نجدها متصلة بالنهج المترابط مع الجذور الزمنية للتكوين التي صاغت وعي الإنسان في البقاء على استيعاب  المتناقضات  قاعدة كونية لمبدأ الصراع والغلبة أرست حاضنة الشر المتسلسل بدأً من محاولة تقويض مصادر الخطر على وجوده واستهداف السيطرة على مقدرات الحياة وصولاً إلى توثيق التنقل والهجرات  بأسبابها لمراحل التفكك البشري المتتابع خلال العصور وانعكاساتها الظرفية على تشكيل طبيعة المجتمعات حضورٌ متباين مرت فصوله  بسلسلة من التحولات التي شكلت مضامينها وعي الشعوب والأمم المختلفة وانتجت مفارقاتها أسوار الثقافات المتباينة في الفكر والعقيدة والقواعد والنظم السياسية والاجتماعية والعلاقات الأخلاقية باتجاه تصدير سباق الحضارات دون استدراك اتساع الهوة بين الجنس البشري الواحد وحاجته للبحث عن مشروعية كونية ثابتة تضع الحياة في ميزان التعايش السليم..

وبرغم أن تلك التجارب كان لها حضور التدرج المعرفي في تشكيل مراحل نمو الوعي البشري واتجاهاته العملية في صياغة وتجسيد التنوع الفكري والحضاري , إلا أن هذا المد في التنوع وإن برز وتشكل كرديف للتنوع الطبيعي والجغرافي وانعدام وسائل التواصل والتمازج الثقافي كان لنشأته وتطوره في ظل تفكك الهوية الإنسانية والسباق الحضاري  حكم الجدار الفاصل بين  الكيان  الواحد الذي أرسى بدوره  ظاهرة التفرد بالخصوصية الاجتماعية والدينية والسياسية  والاقتصادية في توظيف التجارب الهامشية قضايا استحقاق معرفي ثابت استحكمت خلافاتها بتغييب الوفاق في تعدد صور الحقيقة ..

وتلك وإن تبلورت في سياق انفتاح العقل على العديد من المسائل الغامضة إلا أنها اختزلت إشكالية انعدام الرؤية لقضية التعايش الإنساني كحلقة امتداد للجذور التاريخية للفكر بأطواره ومنازعاته الخلافية والتي صاغت بدورها مفارقات الالتزام التقليدي على أرجحية التأثير المتعارض دون تحقق المقاصد من بلوغ المعرفة بالحقيقة أو استيعاب العقل للأخطاء ..

والقضية من واقع المقاربة التاريخية أن الإنسان منذ بداية وجوده على سطح الأرض عاش ضرار انعدام الوفاق مع الطبيعة الكونية حالات متصاعدة من الخوف من المجهول إلى تفشي الإحباط النفسي فالألم المرضي بإشكالاتها المترابطة من اتساع دوائر التخلف والجهل إلى متطلبات مواجهة الأخطار الناجمة عن عوامل البيئة والتضاريس إلى تشابك علاقاته ومتطلباته بالمحيط  والتي حاول تشخيصها من خلال التجارب حتى استطاع أن يحتوي بعضها في الحدود الممكنة لاستيعاب عوارض الخلل في نظام تكوينه فيما ظلت تتنامى وتأخذ أشكالاً مختلفة من التطور الموازي لانعكاسات تفاعلاته السالبة والمنحرفة على الإخلال بقوانين الطبيعة بامتداد روابطه وعلاقاته ..

ولأن قضية الحقيقة  بمجمل قضاياها المتشابكة  ساحتها المعرفة في تشكيل معطيات الواقع  بنية ونتاج  فقد اختلفت مقاصدها واتجاهاتها في صياغة الوعي البشري نماذج مختلفة من القراءات والمفاهيم والانطباعات والقناعات استحكمت تناقضاته بتفكيك النسيج الواحد حضورٌ متشابك الأهداف والعلاقات والروابط والمصالح  ..  

ومحور الإشكال أن اتجاهات الوعي البشري في مفترق البحث عن الحقيقة ظل ولا يزال عبر مراحل التدرج  المعرفي يهيم في مراتع الادعاء المتشاكل بين هامش توظيف المعرفة قاعدة عُرفية لاحتواء الحق مطية استحقاق وبين تسطيح الخلاف والصراع  قاعدة كونية استحكمت بتمزيق الهوية الإنسانية في خارطة الوجود الواحد إلى مظاهر مختلفة من الهويات والأجناس والأعراق والثقافات والعقائد والتي أرست بدورها تطبيع الواقع بالنزعات المتشابكة واغتراب العقل في متاهة الحياة..

وتلك هي المعضلة الزمنية في موروث التجارب البشرية بامتداد إشكالات ومعوقات الانتظام المتلازمة مع انحسار العقل في عماء الغموض والتناقض وتجذر إشكالات الخلاف والاختلاف بموازاة انفصام الوعي والسلوك وتماهي توظيف الحقيقة لاهوت عصبية مفرغة بدعاوى التفرد في ساحات الانقسام والصراع..

 وعلى هذا المنوال ظل تشخيص(الحقيقة) عبر مراحل نمو العقل البشري وتطور المعرفة مجرد بُعدٍ (غيبي) تتجاذب حولها الاحتمالات النظرية كمسّوغ توظيفي لفلسفة الحكم يسوس أهدافه لاهوت الدين عُرفاً تقليديا بداهته تمثيل الخصوصية المعرفية والعرقية في مشاريع التفرد بالحق للهوية والسلالة وتجذر اتجاهاته صيغاً متعددة القراءات والمحاكاة الشوفينية المسندة بتطبيع كل اتجاه لمفهوم العقيدة حقيقة في الاتجاه المتجانس مع تقييد التابعية بطاعات وقواعد الالتزام..

وحول هذه المسئلة قل أن تستوقفنا ملابسات القضية أمام جوهر الإشكال الزمني وأبعاده في استدراك الخلط بين ما أجازته البشرية معرفة تقليدية متبعة وبين القيمة في تعارض أسانيدها بتوثيق كل طرف لقراءاته حقيقة..

فنحن كشعوب قد تلتقي تصوراتنا حول تشخيص التقاليد والأعراف والمظاهر الحضارية كسمات ثقافية مختلفة تقبل التمازج والتطور بينما تعودنا في ظل الارتباط بالمحيط أن نسلم بالدين(حقيقة) ثابتة تعارفنا على استيعاب مفاهيمه ومعتقداته معرفة صحيحة وجوبها الالتزام بطقوسه وشعائره ونواميسه تقليداً متبعاً نتوارثه عن الآباء والأجداد وتتشكل بخصوصيته هويتنا العقائدية على خلاف الأمم والشعوب والأعراق منهج حياة دون قابلية التصرف في إعمال العقل على تشخيص واستيعاب معايير صحته من فساده قياساً بتعدد واختلاف مشاريعه المتعارضة وانعكاسات فكره واتجاهاته على واقع الإنسان والحياة..

وفيما أصبحت الحقيقة في مسلة الوعي البشري هامشاً مفككاً بانقسام الأديان  حول معنى وجود الله وتجذر العقول في تشابك المعرفة وتعارض اتجاهاتها قل أن تجد بين كل تابعية من يستوعب في معتقداته الخلافية شواهد الاحتمال الافتراضي المتعارض في القراءات والأحكام والمبادئ  تجرداً باحتواء وتوظيف الحق في الاتجاه المتجانس بتغييب  الحقيقة ..

وفي قراءة معطيات الواقع الزمني وتجاربه وانعكاساته المرّحلة  في توجيه مصيرنا في الحياة قل أن يستوقفنا النقاش الذاتي حول جوهر القضية في معطياته ونتاجه :

_  ما جدوى المعرفة الخلافية في قراءات الفكر الإنساني للحقيقة ما لم تلتقي قضاياها حول استيعاب إشكالية الواقع وتعقيداته المسترسلة بتضييق سبل الوفاق على الشراكة الإنسانية في الحياة وتغييب الأمان والاستقرار في الوجود الواحد؟

فالدين الذي يؤصل فكره بالمرجعية الإلهية ويؤطر حقيقته نصاً معرفياً متباين القراءات والأحكام المعمدة بتوثيق الأساطير والمعجزات المبهمة والمتناقضة ظل ولايزال عبر مراحل التاريخ يتنازع الوصاية اللاهوتية على الإنسان ومنهج الحياة دون الوصول إلى رؤية يلتقي حول ثوابتها الجميع سوى تجزئة الألوهة في الوسائط واستفراغ شيطنتها بتجميد العقل في استلاب النفس وتمكين الشر من التربع على عرش الوجود والحياة..

والفلسفة التي التزمت بمنهجية العقل نجدها في الغالب تحيد عن قاعدته الجمعية في سياق الارتهان لعقلنة الخلاف والاختلاف في القناعة المساوية للدين في الارتهان لعقلنة النفس وانطباعاتها المتداخلة دون الوصول إلى نتيجة مقنعة سوى نتوءات بسيطة أثمرت تفكيك بعض المسائل التي شابها  التعقيد..

وكذلك العلم الذي أحدث تحولاً في متغيرات الواقع باكتشاف منظومة الكون بقوانينه وأبعاده  بالإضافة  إلى الارتقاء بوسائل الحياة نجده في الاتجاه الآخر يتحول إلى وظيفة تحكمها محاذير الصراع في سباق السيطرة  ليصبح  أداة لفرض الهيمنة والاستحكام بمقدرات الحياة..

ولذلك تعودنا كأفراد وشعوب وكيانات أن نتعاطى مع الظروف والأحداث والأزمات مروراً بقضايا الوجود والحياة والصراع بلسان حال التجارب المعرفية وفرضياتها العائمة على هامش التفكك والاستيعاب المحدود دون أن تستوقفنا النتائج أمام صحة الجدوى من عدمها أو بالتساؤل الضمني عن ماهية الإشكال في التباين والخلاف وأسبابه وكيفية الحيلولة دون تراكم الأخطاء وانعكاساتها على تعقيد سبل الحياة ..

وحين تحيط بنا الكوارث والأزمات كمحصلة تراكمية لتجذر المشاكل عن تجارب العصور واتساع معوقات الأمان والاستقرار غالباً ما تحكمنا الضرورات الآنية من وعي المطلب الظرفي للحاجة  أن نخوض في محاولات البحث عن الحلول والمعالجات الافتراضية ولكن بمنأى عن محاولة استيعاب وتشخيص القضايا العالقة في تركيبة الواقع المتناقض وجذوره المتأصلة عن طبيعة المؤثر الزمني بامتداد تبعاته في توجيه مستقبل وحياة الشعوب والأجيال..

ولسان حال الواقع لم يكن مجرد حالة زمنية أو نتاج مرحلي لانعكاس الظروف وتحولاتها وإنما لدلالاته وأعراضه المسترسلة في إنتاج الأزمات  والأحداث لمعوقات الاستقرار بتعقيداته المتسلسلة ما يترجم الحالة المرضية المستعصية في طبيعة الإنسان التي تجاوزت  أهدافه في محاولة السيطرة على الوجود إلى توجيه قدراته وإمكاناته لتفكيك واستئصال مقومات الطبيعة الكونية  في كوكبنا حتى بلغت منه حدود النهاية المرتقبة للحياة ..

وتلك وإن ارتبطت بسياسات أنظمة الحكم واتجاهاتها إلا أن المجتمع بروابطه وعلاقاته كان هو النتاج المستهدف بتفشي هذه الأمراض وتصاعدها بدأ من انحراف السياسات عن تمثيل مسئوليات الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية وتأمين متطلبات العامة في  العيش الكريم إلى تغييب دور النظم في الإصلاح والبناء  إلى توطين الفساد والذي جسد بدوره تصاعد الانحرافات المرضية بأشكالها المتدرجة من تضارب المصالح إلى بروز الأطماع والاستغلال واستحواذ القلة  على مقدرات الحياة إلى اتساع دوائر البطالة والفقر والتخلف والجهل إلى تفكيك الواقع بظروفه وأحداثه ومعوقاته المتشابكة على خط الارتهان للصراع وانعكاساته على تطبيع انعدام المسئولية المشتركة لحماية البيئة وتفشي الأوبئة والأمراض إلى حلول الكوارث الطبيعية وهلم دواليك ..

 ولعل في المقاربة ما يكشف بما لا يدع مجالاً للشك أن لهذه القضية جذور الارتباط بالمعرفة وقضاياها الفكرية التي أنتجت عبر العصور تراكم الأعراض حتى بلغت من عالمنا مبلغ الخلايا السرطانية حين تستفحل في جسد الإنسان وبات تشخيصها وعلاجها ضرورة حتمية لإنفاذ الطبيعة الكونية التي صاغت وجودنا ونعيش على خير عطائها فيما كنا ولا نزال الأداة والوسيلة العائمة في سباق السيطرة وحب الاستحواذ على مقدراتها نهيم في طواحين التفرد في الارتقاء بوسائل الصراع والهدم  نحو تقويض الحياة ..

وهو ما نراه متصلاً بجسور المعضلة الزمنية لإشكالية المعرفة في تركيبة الوعي التبعي بوصفه الدليل والنتاج المتأصل بقواعد الالتزام لصكوك المعرفة التقليدية والمرَّحلة عن موروث العصور شواهد ممتدة لتغييب العقل الجمعي في المقاصد والاهداف الذاتية والمتجردة  بعماء الارتهان النفعي توثيقاً لاحتواء الحق المتشابك ونتاجه الحافل بتوثيق مصادر الخلاف والاختلاف لانفصام السلوك العام المتأرجح بين اختلال موازين التعايش وتماهي استفراغ المعرفة المتباينة مرتكزاً لهامش الاستحقاق  وتلازماته ..

ولذلك غالباً ما يستقي الملتزم عقيدته من الموروث الزمني أو الفكر المتجدد في إطاره كمعرفة تقليدية بقيودها القدسية دون إعمال العقل في قراءة انعكاساتها على حياة العصور المتلاحقة بالتأمل والتفكير والقياس والمقاربة والتحليل والموازنة كركيزة قاعدية للتمييز واستيعاب محاذير الخلل في تشابك الخير بالشر والعلم بالجهل والحق بالباطل والصدق بالكذب وعوائد انعكاساتها على حياته بامتداد تأثيرها على توجيه علاقاته بالمحيط ..

ولأن طبيعة الإشكال المسترسل في الواقع كان ولا يزال وثيق الصلة بغياب الحقيقة فمقتضى الترابط بينهما شاهده الحصري  أن مجمل قضايا المعرفة الإنسانية بخلافاتها ونتاجها الزمني ظلت  عبر مراحل التاريخ  تدور حول قضية  المنهج الأخلاقي لكيفية انتظام سُبل ومقاصد الحياة ..

وقضية منهج الحياة كمطلب رئيس هي قضية مترابطة من بناء الإنسان بالمعرفة المستقيمة إلى تمثيل روابطه الأسرية فالاجتماعية فالإنسانية كوحدة تكاملية يؤطرها الوجود الواحد بمقتضي  تفكيك مفاصل وجذور الشر العالقة في الفهم المتشظي مشاريع احتواء دانت صكوكها لأوهام الفكر المتجذر في حلبة السباق والصراع مفترقاً حكم تغييب العقل وتوجيه إمكاناته لتأصيل كل رؤية بالمسَّلم الثابت على هامش الاستلاب ..

ولعل أهم الملابسات التي أرست  خارطة الواقع هي قضية تأصيل العقيدة بالحقيقة والتي برزت في  بداية الأمر مع استشعار الإنسان البدائي للبحث عن وسائل وسُبل التعاطي مع الأخطار المنبعثة عن تناقضات الطبيعة الكونية وحاجته للوفاق معها كدليل احتمالي يتجاوز  به تعلل النفس بالخوف من المجهول والتي استخلصها من وعي التأمل في مصادر  التأثير على حياته بأن للوجود قوى خفية متصرفة شخص فيها معنى الألوهة وفق التعاطي مع مؤثرات البيئة وخياراتها المناسبة للاعتقاد..

وفيما تعددت واختلفت تصوراته لها في ظواهر الطبيعة الكونية ومظاهر الخلق تبلورت مع اتساع التمدد السكاني في كل محيط مع بروز الحاجة لتوحيد المجتمع القبلي في التركيبة المدنية وإقامة الدولة على أساس توحيد المعتقدات في إطار سلطة (الدين) كمفهوم للإدانة بالطاعة والولاء لحاكمية الألوهة المتدرجة في تمثيل سلطات الحكم..

ومن هذا المنطلق تماثلت فلسفة المشاريع السلطوية للإدانة كمرجعية عقائدية انبعثت من وعي استيعاب كيفية تطويع النفس البشرية للتبعية المفردة لكل دين لاهوت وصاية واستلاب اختزلت فرضية تأصيل (الحقيقة) في ربوبية التسليم الغيبي قاعدة قدسية يسوسها الترهيب والترغيب منهج استحقاق لشرعنة الحق في المعتقد دليل حياة ..

ولذلك شكلت التجارب في مسلة المعتقدات الزمنية معيار استيعاب العُرف التقليدي لمقاصد (الحقيقة) في تركيبة الواقع الافتراضي كنتاج لعشوائية التوظيف النفعي في تمثيل الهوية الجغرافوسياسية والعقائدية لمشاريع الاستحقاق الموجه بتغييب العقل في المصالح الارتباطية للفرد والمجتمع حضور متصل بين الأجيال   ..

فيما ترافق هذا الإشكال مع استفراغ التجارب لعفوية الارتباط الاجتماعي بعوامل ومؤثرات البيئة وظروف الواقع بالإضافة إلى تفرد كل منها باللغة والثقافة الحصرية نتاجاً مغلقاً استحكم بتقييد جسور العلاقات في حدود المحيط التوافقي للتواصل والتفاعل المقنن بتطويق الوعي في حدود تعاملات الفرد الوفاقية حضوراً  وتمثيل ..

وبين أسوار العقيدة وخلافاتها عاشت الإنسانية عبر مراحل التاريخ متاهة الاغتراب والخوف من المجهول عارض امتداد الإشكال الزمني المسترسل في تعقيد سبل استقرار وجودها في الحياة تتوارث لاهوت الهوية ومنازعاته على هامش احتراز الواقع معادلة ثابتة لانتظام الحياة والتعاطي مع أطياف التدرج المعرفي والسباق الحضاري  سفر غيبوبة عبثية متجذرة في انتاج حلبات الصراع  المتآكل  دون بلوغ الغاية..

وبرغم انعتاق العقل في النطاق المحدود مع ظهور فلسفة التنوير في اليونان القديم والهند والصين وامتداد تأثيرها إلى نواحي مختلفة من الخارطة إلا أن سمة التأثير الفلسفي ظلت في حيز الامتداد خارج نطاق المعادلة بحكم سيطرة الدين على مصالح الشرائح الواسعة في المجتمعات المتسقة مع ضيق الأفق لدى العامة الأمر الذي انعكس على بروز  ثلاثة مؤشرات :

الأول: ظهور حالة من التوجس الديني المضمر بالعدائية نحو الفلسفة والعقول المنظرة لها مع محاولة تحييد دورها باستخدام الوسائل الممكنة وغير الممكنة لتشويه فكرها وتأليب الرأي العام على الفلاسفة المناوئين للدين..

الثاني: انعكاس المؤشر في بعض الاتجاهات الفلسفية كما هو الحال في فلسفة الحكيم(بوذا) في الهند وتحولها إلى دين وكذلك في فلسفة(كونفوشيوس) التي احتلت موقعاً بارزاً ظل تأثيره في أوساط المجتمع الصيني حتى يومنا هذا..

الثالث : بروز التأثير الفلسفي على الفكر الديني التوحيدي وعلى وجه الخصوص المسيحية والإسلام مع ظهور العديد من الاتجاهات الفلسفية المجددة فيها منها على سبيل المثال التأثير البوذي واليوناني على فلسفة اللاهوت المسيحي عند توما الأكويني وأوغستين وكذلك فلسفة التصوف الإسلامي عند ابن العربي والغزالي والفارابي وابن رشد ومذهب الاعتزال والأشاعرة وغيرها..

وما يعنينا في هذه الشواهد أن فلسفة الحقيقة اتخذت العديد من الأقنعة المجازة بتصرف الاجتهاد البشري في توظيف المعرفة دون الوصول إلى ثابت معرفي يحيط  بمفاصل الوجود والحياة يلتقي حوله الجميع ..

وبديهية التشخيص أن الإنسانية عاشت عبر القرون المتلاحقة على ضلالة الاعتقاد الأعمى دون استيعاب  الفروق الجوهرية بين العقيدة الخلافية والحقيقة كإطار معرفي ثابت لانتظام علاقات الحياة  تتجاوز حيثياتها دغماوية الارتهان لمنازعات التعدد والاختلاف الديني  والسياسي الذي استحكم بتفكيك النسيج البشري الواحد في صراع دموي امتد عبر القرون المتلاحقة في التاريخ وصولاً إلى تهديد الحياة على سطح الكوكب..

وهو الأمر الذي أصبح ظهور الحقيقة مطلباً حتمياً لإنهاء عجلة الصراع يستقصي الدليل من ضرورة  استيعاب الإنسان لمعنى وجوده في الحياة في توجيه إمكاناته للقضاء على منابع الشر وإعادة التوازن للوجود كخيار ثابت بين أن يؤمن بهويته الإنسانية في توحيد الصف على السلام والأمان والعيش الكريم أو الارتهان لمصالح النخب المستفيدة ومواصلة تدمير الكوكب الذي يحتضن وجوده دليل وشاهد ..

كما أن حاجة الإنسانية لاستيعاب الحقيقة كقضية ملتبسة في السياق الزمني لا يمكن اختزالها هدفاً معرفياً بحد ذاته لاستمرارية الجدل التفاضلي في توظيف معطياتها مشروعا للتجديد وإنما لكونها تشكل ثورة على الفكر الإنساني بجميع اختلالاته والعمل على تقويمه بإعادة صياغته بما يتوافق مع تفسير وتصحيح علاقات وروابط الإنسان بالوجود والحياة كركيزة لتحرير العقل من ظلامية الجهل ونزعاته وصولاً لتحقيق الوفاق ..

ومقتضى توضيح هذه المسألة أن القضية في إشكالية المعرفة بالحقيقة ليست مجرد فلسفة تناظرية لتوطين التناقض منطلقاً عائماً للمعرفة ضميره الاستثنائي عقلنة النفس في الفهم المتباين مشروعاً لتثبيت الواقع في تعارض الفكر الإنساني كحقيقة نسبية إضمارها تأصيل الصراع قاعدة ثابته للحياة. وإنما لكون الحقيقة في مقتضى الضرورة الحتمية لمعالجة إشكالية الحياة هي عقد المعرفة المستقيمة للوفاق ورسالته الروحية والأخلاقية المعنية بنزع فتيل الفتنة وتطويقه بموضوعية توحيد العقل الجمعي وترسيم أطره وقواعده كقضية فاصلة تستوجب  مراجعة الخلل في التركيبة المتجذرة في شواهد العصور والتجارب جسر امتداد المتاهة ..

ليست هناك تعليقات: