نبوءة العقل

التعدد والاختلاف

 

ارتبطت جدلية الخلاف الديني وبصفة خاصة في  الديانات التوحيدية بعدد من المفارقات العقلية حول تصور كل دين للحقيقة الإلهية وحق الائتمان الناسخ لما قبله الثابت باستحقاقه, ومن ثم توظيف الألوهة لخصوصية الدين باستحقاق التسلسل النبوي للرسالة السماوية ومشروعية الاختيار الثابت في الأولوية والناسخ في التالي بينما وقف تقييد الخلاص في كلٍ منها بالإيمان بالدين والتسليم بشريعته. 

 فكل دين يقر ضمنا بما قبله كسطر امتداد وإصلاح وينكر ما بعده وفقا لخصوصية الثبات.. وللاعتراف قيوده وحدوده وأبعاده.. فاليهودية كعقيدة سابقة في التوحيد لا تعترف بأي ديانة بعدها كما لا تعترف بالبوذية كديانة توحيدية وتنفي صحة المسيحية والإسلام وعقيدتها في  نفي ما بعدها قاعدته انتظار المخلص القوي القادر الموعود ظهوره آخر الزمان ليوحد العالم على  دينهم بالقوة  المعمدة بالتأييد الإلهي. .

وكذلك البوذية كديانة لاحقة لليهودية لا تعترف بأي من الديانات السابقة واللاحقة بموضوعية الإلوهة وتعترف  المسيحية  باليهودية  اعتراف اللاحق بالسابق  مع التوافق مع اليهودية بعدم التسليم بالبوذية ولكنه اعتراف  البديل المخلص إذ لا خلاص للسابق إلا بالدخول في دينه كما أنه ينكر ما بعده  .

 ويقر الإسلام باليهودية والمسيحية كديانات سابقة مع التوافق بعدم التسليم  بالبوذية  وبنفس القاعدة المسيحية  في تمثيل الإصلاح والخلاص .. ومحمد هو خاتم الأنبياء والمرسلين وشفيع  المؤمنين برسالته يوم القيامة ..

وترتكز القاعدة  الثانية  في  الخلاف  على  استحقاق  الأنبياء  في   كل  من  اليهودية  والمسيحية والإسلام  ومفهوم التوحيد المتعارض بين الأفعال والصفات والأسماء الإلهية .. وكذلك وقع الخلاف والاختلاف مع كل الديانات القديمة في مجرى توصيفها بالوضعية.

وهكـــــذا أصبح كل كيان عقائدي يمثل  قاعدة خلافية  في  تشخيص  الحقيقة الإلهية وقواعد الارتباط المجتمعي في نظام الحياة  والتعايش وجدت  في  مرحلة  ما  لخصوصية ظرفية استمر تأثيرها  متواصلاً بين الأجيال في  محيط  البيئة والتجربة الزمنية لأسباب عديدة نستخلص مفارقاتها في الخطوط التالية :

-تنشئة الأجيال منذ الصغر على مبادئ العقيدة ومفاهيمها وانغلاقها على العقائد الأخرى حفاظاً على  وحدة  كيانها  وقوتها من الاختراق أو التشكيك.                                                                                        

-وضع الضوابط والحدود الإلزامية في تحريم الخروج على العقيدة أو تجاوز مبادئها.                                                                                                              

-ربط التابعية للدين وتشخيصه بالوسيط  بالنبوءة  أو  المفكر بالاجتهاد ..

-تثبيت  قواعد التابعية للدين بتكريس  العبادات والنزوع للتدين والروحانية المفرطة في الطاعات.                                                                

 -إضفاء صفة القداسة والتنزيه المطلق للمبعوث بالرسالة وتقييد الطاعات والعبادات والأحكام بالتابعية له أو المجتهدين في شريعته.

-ربط  فكرة  الحساب  والعقاب في العالم الأخر بشفاعة المبعوث ورضاه عن أمته وليس بالاستحقاق الثابت في أمر الله وحدة . 

 - تكريس  الصفة  الإلزامية  بعدم  التفكير  في  مسلمات  الدين  أو المنهج والتسليم الإيماني بالدين وحدة والترهيب  بعواقب  الخروج عليه.

-تحول معظم الديانات إلى قواعد للسباق التبشيري وامتلاك الله.

-تحول الديانات عن رسالاتها الإنسانية إلى كيانات سياسية ومصالح تتصارع بدعوى الحق في تصريف الإرادة الإلهية. 

 -محاولة تشويه  كل ديانة  للأخرى  بتغيير  مبادئها  واختراقها  وتمزيقها  بوسائل   الإغراء  السياسي والمادي  وبث  الفتن والصراع والاقتتال..

     تدخل السياسات والحكام في  تسخير رجال الدين لتحريف القيم  والمبادئ  الأساسية  لخدمتها  في إخضاع الشعوب لسلطاتها والتسليم بحقها الإلهي في الأمر والطاعة دون قيد أو شرط .         

-  إحاطة كل دين ألوهته  بحواجز  الترهيب والترغيب  والتحليل والتحريم وفقا لخصوصية الدين.                       

والخلاف قبل أن يكون مؤسساً على الثوابت المعرفية للحقيقة الواحدة وكل دين يرى بأنه شاهد الحق استنادا للنبوءة  لا يرى من

الوجه الآخر  أن  قاعدة الثبات مقومها أن تلتقي القضية الواحدة في الإله الواحد على طريق الاستحقاق الواحد كقضية فاصلة في الحق المشترك والتعايش الآمن بين الجنس البشري الواحد.

وحين نقف حول المبادئ والأهداف التي تناولتها الرسالات السماوية المختلفة قد نجدها جميعاً تلتقي في الغايات وتختلف حول الوسائل والوسائط فتسقط الغايات بين شعاب الاختلاف.

فمن سياق المراحل التاريخية للنبوءات المعرفية التي نشأت في ظلالها الأديان التوحيدية نجد أن كل دين لم يأت لمناوئة الآخر أو طمس وتغيير مبادئه ومعالمه وإنما مثل كل دين الامتداد الطبيعي للديانات السابقة  والمصدر المعرفي المتجدد للرسالات الإصلاحية الهادفة إلى تصحيح الأصول والقواعد الفكرية لنظام  الحياة والتعايش الطبيعي وإعادة  الانحراف العقائدي إلى مسار الفكر السوي وغاياته.

 وفي ظل غياب الوعي الكامل لحقيقة السماء وغاية الأديان التوحيدية ومعنى التجدد فيها بين زمن وزمن  تحولت العقائد من فهم المعاني الأساسية للحياة والإيمان بالله إلى الإيمان بالوسائط  ومن  ثم وسائط التجديد والخلاف وأصبحت الأديان أشبه بمعسكرات وجبهات جدلية ومنابر للصراع والاختلاف وصارت الرسالات السماوية حقاً من حقوق الوسائط في شراكتهم لله  ووقف استحقاق عبادته على التابعية للدين أو الطائفة أو الفرقة أو المذهب .. ومن هذا الاختلاف تعددت أشكال الهوية العقائدية  وتباينت القيم والمفاهيم السلوكية وأشكال النظم  الاجتماعية في الحياة..

 وكان سبب  الظهور والتميز هدفاً بحد ذاته من أجل تكوين الخصوصية  الذاتية  بين الأمم والشعوب .. هذه الذاتية شكلت أزمة في التعامل مع القيم والمبادئ الكلية ومهدت لتكوين النزعات العرقية والسلالية والعنصرية وفتحت أبواب الانقسام والصراع في أوساط العقائد المختلفة بهدف السيطرة على التابعية وتمثيلها في الحاكمية الدينية المبطنة بالأطماع الذاتية في استغلال ثروات الشعوب ومدالنفوذ السياسي والاقتصادي  ..

ومن هنا تحول الفكر الديني في  قاعدة الخلاف والتجزئة إلى ملُلُ تشابهت مع العقائد الوثنية في تصنيف معتقداتها بمنهج الخصوصية الفكرية والاجتهاد الغائي المتجرد عن جوهر الرسالات والقيم فتعددت انحرافاته واتجاهاته بوعي الانقسام والتشظي في كل دين.

ليست هناك تعليقات: