نبوءة العقل

الدين والدولة

 

منذ بداية وجوده على سطح البسيطة عاش الإنسان عشوائية الحياة بغموضها وظروفها القاسية يبحث عن  سُبل المعرفة بخفايا وأسرار الطبيعة الكونية ومتغيراتها المتلازمة مع تشكيل عوامل البيئة وتضاريسها المتناقضة واستيعاب مقدرات الخلاص في حتمية الوفاق مع الظواهر التي شكلت أحداثها مصادر الخطر على وجوده واستمرارية بقائه في  الحياة..

ومن أفق الغموض والخوف من المجهول العارض في مؤثرات كل بيئة تشكلت معتقدات الإنسان الأولى حول استيعاب طبيعة العلاقة مع الوجود من وعي قراءاته المفترضة للوفاق والتسليم بقدرة الظواهر المؤثرة على وجوده واستحضرها الخيال من ثقافة الواقع الزمني المتجانس بتفشي الخرافات والشعوذة والسحر دليلاً على كمون القوى الماورائية فيها استشعر في مؤثراتها مصدر التحكم بحياته ومصيره وعلاقاته بالوجود مسلكاً للتراضي في التعبد بالطقوس والنواميس وتقديم القرابين لها عِقد ربوبية واجبة ..

وبينما تلازم ظهور تلك المعتقدات مع مراحل التشكل البدائي للمجتمع(العشائري والقبلي)واعتماد الإنسان  حينها على الصيد والمرعي وسيلة متعذرة بمحاولة استحواذ كل طرف على مصادر الماء والكلأ وقفت إشكاليته  على خط الصراع وتفشي مظاهر الغزو والحرابة عائقاً للوفاق استحكمت بتعزيز وترسيخ ثقافة الكراهية ودوافع الانتقام للثارات موروثاً مسترسل بين الأجيال قل أن تتجاوزه التقاليد والأعراف السائدة في الواقع مرجعاً لحل مشاكلها..

ومع اتساع خارطة الامتداد السكاني برزت عوامل التحول التدريجي في كل محيط وكان استيعاب الإنسان للزراعة والحرف اليدوية هو أول روافد التغيير في الانتقال من عشوائية التشرذم العشائري والقبلي ونزاعاتها إلى حواضر التشكل المدني الأمر الذي فرض بدوره حاجة المجتمع لسلطة توافقية تتولى إدارة  وتنظيم شئونه وفي ضوء ذلك نشأت الدولة الدينية كفكرة مزدوجة قامت على توحيد المعتقدات والأعراف بمنظومة الحكم..وهو العُرف الذي ساد بين الأمم تقليدٌ متبع وقف على توثيق الارتباط بين الدين والدولة قاعدة متجانسة في الشكل ومختلفة في المضمون استحكمت بصياغة تجاربها مؤثرات كل بيئة بخصوصيتها الجغرافية والثقافية في الاتجاه المتعامد مع تعزيز الأبعاد وانعدام وسائل النقل والاتصال لعوامل التفكك والتي شكلت بدورها مفترق المصالح وفق محاذير التوجس من الآخر  ..

وبالرغم من تطور التجارب السلطوية لبنية الدولة وتحول بعضها إلى منظومات ملكية ثم إمبراطوريات عظيمة قامت على كاهلها حضارة العصور إلا أن ارتباطها بالدين مشروعية لاهوتية بموازاة التوجس من الآخر كان له حضور(الذاتية)في تجسيد المصالح للأطماع السلطوية واستيعاب فلسفة القوة وسيلة للتفرد في السيطرة والتوسع والتي صاغت دوافعها تمكين عوامل الصراع من الحيلولة بين التقارب واستقرار حياة الشعوب  ..

وعلى مر العصور ظلت مسألة الارتباط بين الدين والدولة تحيط بأهم قضايا الفكر الإنساني المستعصية على الحل بواقع تعزيز منظوماته لعوامل الانقسام والصراع المتجذر من تركيبة المجتمع إلى تفكيك قيم التعايش الإنساني في الحياة فيما شكلت قدسية الارتباط التبعي رأس المشكلات المعقدة التي استحكمت بتوجيه سياسات النظم السلطوية وفق معطيات السيطرة على الشعوب ورسمت خارطة امتداد حضور الدين المتسلسل بخاصية القدرة على التأثير في تطويق العصور بالموروث الزمني المتأرجح بين صكوك التعدد العقائدي وهامش التحول المحدود بنسبة قابلية التغيير على التوائم مع ظروف ومتطلبات كل عصر ..

وتلك العوامل تعذرت معالجاتها بحكم انحسار الفكر الديني بخلافاته وتبايناته على الجذور الأولى التي صاغت طبيعة النفس البشرية بمحاذير الغموض والتناقض ورسمت خطوط الإشكال الزمني وفق مفارقات الوعي المتجذر في منازعات الحق والاستحقاق وخصوماته العالقة في متاهة التعدد والاختلاف مشروعية وجود يعمه في ضلالة التفرد والصراع  قاعدة حياة..

 وكنتاج لذلك تصدرت تجاربه أهم قضايا المعرفة المتشاكلة كدلالة على المكانة الاعتبارية التي انفرد بها حضوره الزمني في احتواء الحاكمية قاعدة لاهوتية عكست بدورها توثيق إفرازاته للتحولات المتأرجحة بين الصعود والهبوط وشكلت منفذ اهتمام الفلاسفة والمفكرين والدارسين عبر مراحل التاريخ انطلاقاً من كون القضية الأساس في طبيعة تمثيل فكره ومعتقداته بمختلف اتجاهاتها هي قضية المرجعية الإلهية لمنهج الحياة ..

وبحيثياته شكل التباين في تعدد المناهج رأس المعضلات المستعصية على معالجات الفكر الإنساني بعقدها وإشكالاتها العالقة بين جدران العصور متاهة لاهوتية استحكم بصياغة وتوجيه مشروعيتهامحاولة كل دين احتواء المعادلة الكونية لروابط العلاقات المفترضة بين ثلاثية الوجود(الله والعالم والإنسان)قاعدة استحقاق خاص تتجاوز الحق الإلهي الواحدفي تمثيل وجوده لوحدة الشركة المنضبطة للتعايش الآمن إلى تعزيز وسائل الحيلولة بين الوفاق الإنساني المنظور بتصفيف وحدة الفكر للقيم والأخلاق والفضائل قاعدة كونية وركيزة ضابطة لانتظام جسور العلاقات ..

ومن واقع هذه الإشكالية استحكم التوظيف المتناقض بين محاولة تسطيح الديانات للفضائل والقيم المشتركة قاعدة أخلاقية للتعايش الآمن والتحلل منها في تصدير المناهج الخلافية مشاريع نمطية للاحتواء المتجانس بمسوغاته المتعارضة على هامش استيعاب التميز بالخصوصية وسيلة تفاضلية للتعاطي مع  الجمهور  وفق معطيات السائد في ثقافة الواقع ..

وهي القضية التي أرست قواعد الارتباط بين الدين والدولة على جدوى توظيف الألوهة الكونية مرجعية  مغيبة تجانست باشتراع البدائل في النصوص والشخوص وسائط مقدسة عقدها الإيمان والتسليم بالغيب وإضمارها ترسيخ دعائم الهوية كوسيلة للسيطرة المفرغة باحتواء العقيدة لتداعيات الخوف من المجهول في طبيعة النفس البشرية وامتراء السبيل في تقييدها بالإدانة وسيلة للخلاص من الشر توثيقاً مزعوماً للعلاقة الشرطية بين المخلوق والخالق في دعوية كل دين ..

وعلى نفس السياق تعارفت الديانات على توظيف المناهج بالأمر الإلهي المقيد بمشروع النبوءة المعرفية قاعدة مفترضة مستقاة من تجارب العصور والمعتقدات السائدة في كل بيئة والتي حكم توثيق شواهدها تماثل الفكر الديني في استيعاب الموروث الزمني للأساطير والخرافات والأوهام والشواهد العائمة في الغيب عرفاً تقليدياً متجانس أرست مفارقاته توطين قواعد الخصوصية الدينية على تطويق كل تابعية بالقيود والحدود المعززة لتغييب العقل والمعرفة في صكوك الارتهان للمجهول الغيبي المعمد بصحة ومصداقية الوسائط مفترقاً لاهوتياً بين الإنسانية الواحدة..

وبرغم أن ظاهرة الدين ولدت من رحم الصراع وحاجة الواقع العشوائي لعصور ما قبل التاريخ  بنزاعاته وأحداثه لفك الاشتباك واستيعاب مستجدات التوسع والامتداد البشري ، إلا أن ظروف نشأته وتكوينه كتجربة توافقية لانتظام علاقات الحياة تشكلت منذ البدء كظاهرة مزدوجة انبثقت عن شتات الموروث الزمني للمعتقدات لتؤسس عامل التحول في توليفها بالتزاوج مع كيان الدولة المعمدة باحتواء الدين للسلطتين الروحية في ملتقي توثيق الامتداد السائد للطابع العقائدي المؤطر بتجريد الخضوع المطلق لحاكمية وسلطة الآلهة المعتمدة ومن ثم الدنيويةفي جدوى تمثيل نظام الحكم للقواعد والضوابط الاحترازية للانضباط..

غير أن هذا المبدأ وقف على استيعاب كل دين لمرجعية الإله في اشتراع المنهج البديل وسيلة لاحتواء الربوبية باستفراغ العلاقة الشرطية بالعبودية والعبادات قرينة متعذرة بتقييدالطاعة والامتثال للوسائط المجردة بلاهوت الهوية والتي تشكلت بالتزاوج مع الدولة في سياق تمثيل المشروعية الدينية لمرجعية النظام السياسي وأهدافه المنظورة بتوحيد النسيج الاجتماعي في صيغة الهوية الجغرافية للمحيط السكاني وتصريف شئونه المفترضة باستيعاب منظومة العلاقات المشتركة..

 وتلك اختزلها الدين مع بداية نشأته وتزاوجه بالدولة في ثلاثة محاور هي :

-        علاقة الإنسان بالإله

-        علاقة الإنسان بالدين والدولة

-        علاقة الإنسان بالإنسان

ففي السياق المرجعي لبنية الدين والدولة كما جاء في تاريخ الديانات القديمة ومنها الفرعونية وعقائد ما بين النهرين نجد موضوعية العلاقة تحتكم في كلٍ منها لطبيعة الإسناد الوظيفي للمنهج  الموازي لتمثيل الاتجاهات الثلاثة:

الأول : تعميد صفة الولاية في الحكم بالربوبية المتفردة في الحق واستحقاقاته في اتخاذ القرارات المصيرية للشعوب وبحيثياته تشكلت موضوعية العلاقة بين الإنسان والإله بمعيار المُلك والعبودية وعاضد الإدانة والتسخير بتوثيق الصلة في التقرب إليه بالعبادات والقرابين توثيقاً للمؤثر الزمني في تطبيع الاعتقاد وسيلة للخضوع المستوحى من تشخيص طبيعة النفس ومخاوفها المتلازمة مع تعزيز منافذ التحكم في توجيه الانقياد.

الثاني : تقييد مرجعية الدين وصفته بالقداسة اللاهوتية شمولاً بتوثيق الأدبيات والأصول المعرفية والتي أرست مضامينها علاقة الإنسان بالإله على توثيق الارتباط بالهوية الدينية ومسوغاتها الاعتبارية المحمولة على توظيف الخصوصية الفكرية والعقائدية بموضوعية الارتباط بالبيئة الجغرافية والثقافية ومقوماتها المادية والمعنوية في مستلزمات البناء.

الثالث : توثيق الصلة بين مفهوم الدين كمرجعية روحية للعقيدة وقاعدة منهجية للحكم باعتبار تمثيل مشروعيته للمرجعية الكونية عقداً دستورياً لسلطات الدولة المركزية والنظام والتي انبثق عنها توظيف الكهنوت الديني للمنهج على قاعدتي التزاوج بين توصيف الشرع للقواعد والأحكام والضوابط الأخلاقية للتعايش فيما تشكلت من وعي الأعراف والتقاليد السائدة في الواقع وأصول وقواعد الطاعات المعنية بتطويع العامة بمقاصد الترهيب والترغيب المعمدة بالقيود والحدود الإلزامية للامتثال..

وفي الوقت الذي شكل ظهوره في البدء تحولاً نوعياً في محاولة استيعاب النظم الدينية لمبادئ المعارف والعلوم والتي أثمر نتاجها بناء الحضارات المدنية بأرقى صورها كما تستحضرها لنا اليوم معالم الكشوف الأثرية للعصور القديمة المنتشرة على مساحة الخارطة ، بيد أن قيام تلك الحضارات على حساب الإنسان كان له كبير الأثر في تغيير المعادلة والتي تشكلت متغيراتها بمظاهر الفساد السياسي والديني مرتكزاً لصراع المصالح والتفكك والانقسام وانحسار النظم الدينية على حماية وجودها على حساب التزاماتها والتي أنتجت بدورها تفشي المظالم والقهر واتساع مساحة الفقر والجهل والمرض ترافقاً مع ارتفاع نسبة السكان ..

وبرغم التحولات التاريخية التي تزامن ظهورها في كل جزء من الخارطة مع محدودية التغيير إلا أن عوامل نشأتها وتطورها ظلت في الاتجاه العام محكومة بعقد الارتباط بين الدين والدولة وصراع المصالح المتلازمة مع انحسار النهج على تطبيع الدين للتواكل وترسيخ الاعتقاد بقوة وجبروت الحكام وقدراتهم الخارقة على استكشاف ما يدور في الأوساط عاضداً للسيطرة على الشعوب أنتج بدوره  تعالي نزعات الغرور واللامبالاة بحقوق العامة تجرداً من توظيف الهدف المعني بتمثيل الضابط لقاعدة للانضباط إلى امتراء القداسة اللاهوتية وسيلة للاستعباد وتحويل الدين عن وظيفته في استيعاب أسس ومبادئ العدالة كقاعدة منهجية لانتظام العلاقات نحو استفراغ المنهج في القضايا المحفزة لترسيخ الجهل والاستلاب مطية(للسخرة)في تنفيذ مشاريع الدولة والخدمة العسكرية والتي أرست بواعث الطموح في صناعة الأمجاد واستحكمت بتوجيه السياسات لخدمة مصالح النخب والمتنفذين وفرضت تداعياتها تعزيز الأطماع السلطوية للامتداد والتوسع وتجييش العامة للغزوات بهدف السيطرة على مقدرات الشعوب  الأخرى..

وتلك هي العوامل التي أتيح لها أن تفرض وجودها بقوة على تردي واقع وحياة الشعوب ومهدت الطريق لتلاشي واندثار الحضارات بين جسور الصراع وتبعاته المسترسلة في تعزيز روافد الجهل والتخلف واتساع مساحة الشر في الحياة..

وهذه القرائن إذا ما وضعناها في ميزان المقارنة بين الأديان قل أن نجدها تقتصر على الديانات القديمة وحدها بل امتد تأثيرها إلى غالبية التجارب الدينية ومنها الديانات السماوية الثلاثة الأمر الذي عكس طابع المزاوجة بين السلطتين الدينية والسياسية على تحلل الدين من مسئولياته الدنيوية في تحويل المنهج من قاعدة ضابطة للتعايش المشترك إلى مطية لتقييد العلاقة الشرطية بالإدانة للإله المتصرف باستحقاقات اليوم الآخر وتجرده بتطويق الوعي الفردي والجمعي بمحاذير الارتهان للخوف من سطوة الرب وسيلة لإحكام القبضة في السيطرة على الجمهور ..

وباعتبار الشاهد في موضوعية الاقتران بين الدين والدولة ارتكز منذ بداية التأسيس على مبدأ استيعاب الدين لتسلسل العلاقات الكونية(الله والوجود والإنسان)واختزال ثوابتها مناهج لانتظام الحياة فمقتضى المعالجة تستقصي الكشف عن صحة الارتباط من عدمه في الاتجاه العام للتجارب السلطوية وتفنيد ملابساتها  من خلال الآتي:

1-الدين ومرجعية الإله في خلق وتصريف شئون الكون

 وهو الركيزة المحورية لمشروعية كل دين وقراءاته المتجذرة من استيعاب المعتقدات القديمة للألوهة في عناصر الطبيعة الكونية بمختلف أشكالها وصولاً إلى تجسيدها في الإنسان وتهويم قصص الخلق في الأساطير قرينة متجانسة وقفت على تمثيل المعتقد بتصنيفاته حقيقة ثابتة وجوبها التسليم  ..

وتلك في مضمار التعدد والاختلاف لا حكم لها سوى أنها تضع المرجعية الإلهية وقصص الخلق تحت طائلة التوظيف المتجانس لعوامل الارتباط بالبيئة ومؤثراتها المحمولة على طبيعة الارتهان لثقافة الواقع لاعتبارات جوهرية أهمها أن الشاهد البيني في دلالة خلق الكون ثابته الأساس منظومة بناء متدرج في الترتيب والتركيب ..

وهنا قد نلتقي مع الدين في توصيف وحدة العلاقة بالإله كمرجعية كونية للإحاطة العلمية والعملية سندها تمثيل القوانين الخلفية لموازين الوفاق التناسبي لتخلق العناصر وتشكلها بالظواهر غير أن المعنى يختلف حين يصبح الإله  صورة مجسدة تمتثل لصيغة المخلوق الطبيعي وتلازماته في تسلسل الخلق..

وفي ذلك ما يؤسس حكماً قطعي الدلالة بأن الأديان بمختلف اتجاهاتها لم تستند في مرجعيتها على حقيقة إلهية ثابتة وبناءً عليه تسقط مشروعيتها في الائتمان ..

2- الدين وعلاقة الإنسان بالإله والوجود

وهي العلاقة المبنية على تقييد الامتثال والطاعة للمتصرف بالحق وجوب استحقاق استوعبها الدين من ظلال الوقع قرينة للملك والعبودية اختزلت المطلب الإلهي في تجريد الصلة بالتعبد وسيلة للتقرب إليه واحتراز الغاية منه في  تمكينه من سبل الخير في الحياة الدنيا ونيل المغفرة والرحمة من الذنوب توثيقا للسعادة في الجنة والأمان من عذاب اليوم الآخر..

وتلك رابطها الضمني يرتكز من حيث المبدأ على توافق المصالح بين طرفي المعادلة المجازة باسترضاء   صاحب الحاجة للمتصرف بالحق في الوسيلة المنظورة بالتعبد صلةً بالتمكين من الغاية المطلوبة والتي تشكل في الأساس جوهر المعبود ..

 وبوعيها تتشكل الصورة في تصفيف روابط العلاقة بين الإنسان والإله والوجودعلى خلاف المبدأ من حيث اختزال الدين للقاعدة في التعبد وسيلة للتواكل تستثني تشخيص ثوابت العلاقة في استيعاب الصلة منظومة بناء متدرج من تجسيد الألوهة لخلق وبناء الكون نظام له في مقتضى توافق الإنسان مع الإله في تمكين المطلب حكم التحقق بقوانينه دليل انتظام..

وتفسير المعنى أن معادلة تكوين الإنسان تتشكل بطبيعتها المادية والروحية كوحدة مصغرة لثلاثية الوجود(الله والكون والعالم)وعلاقاتها المشتركة في تمثيل نظام الحياة فيما يتعذر انتظام العلاقات بواقع انحراف النفس إلى التجرد بالذاتية المفارقة لوحدة الله في العالم والكون في المقاصد المشتركة..

وباعتبار القاعدة الارتباطية للدين بالإله انتظمت في سياق تمثيل وظيفته الاعتبارية للدليل الافتراضي المعني وجوباً بالتوجيه والإرشاد بمنهج العلاقة كركيزة لبناء الإنسان فعقدارتباطه بالدولة استقام على

تمثيل التفكك للنزعات الذاتية المتجردة باحتواء كل دين للألوهة وظيفة  للتمكين من بسط نفوذه على العامة في سياق التحلل من مسئولياته والتحول إلى أداة لخدمة الحكام والمتنفذين ..

3-مشروعية الدين في تمثيل الإله

وهي العلاقة التي تشكلت في مضمار الغموض الكوني قاعدة مرجعية للتوظيف المتجانس ارتكز تمثيله على توثيق المعتقد للغيبيات وسيلة لمحاكاة النفس البشرية في تجاوز الخوف من المجهول واحتوائها بالترهيب والترغيب  عقداً للإدانة الجبرية لطاعته المضمرة  باستحقاق التبعية للدين..

وباعتبار الشاهد في مقتضى ارتباط الدين بالإله وقف على تقمص كل معتقد للفضيلة مرجعية إلهية ركيزتها تمثيل منهج الحياة ، فموضوعية الفصل بين صحة المصدر من عدمه له في مسوغ التعدد المتباين في فكره واختلاف معتقداته دليل التحلل التقليدي المحمول على توثيق المتغيرالعقائدي قاعدة لاهوتية احتكمت مشروعيته لعفوية التصديق والإيمان بالنصوص والشخوص المنافي لاستيعاب الثبات في أحكام القاعدة الكونية وتوافقاتها المنظومة على التوحيد..

  ذلك أن صحة مشروعية الدين الاعتبارية في تمثيل الإله تقتضي وجوباً أن تستقيم على توثيق المعرفة بحقيقة وأحكام الإله الخالق صلة بتصفيف كل دين لمنظومة العلاقات الكونية وقواعدها الشرطية للوفاق كمعادلة وصفية لبناء الإنسان لها في جدوى الارتباط بالدولة حكم تمثيل النظام الأخلاقي للتعايش الآمن في الحياة والتي تخضع بمجملها في السياق العام لقضايا الفكر ومحاذيره الارتباطية بمقاصد الخير والشر في أحكام المنهج الإلهي ضوابطه وموازينه..

وفي ذلك ما يصل بنا إلى أن القاعدة الكونية في مرجعية كل دين للإله وقفت على توظيف الاحتمال النظري لما وراء الغيب مشاريع سلطوية متغيرة بتغيرالعوامل الظرفية والتقاليدالسائدة في ثقافة وتجارب الواقع استهدفت السيطرة على الإنسان  والحياة .. 

4-الدين والدولة في التجارب الزمنية

من الأسباب التي أرست حضور الدين الممتد أن الأمم تعودت أن تعيش الواقع وفق ما تمليه عليها سياسات   الحكم من توجهات تفرض قيمها ومعتقداتها على طبيعة التشكل بمتغيراته وأهدافه ، وتلك انتظمت في السياق الزمني على خط امتداد الموروث ومؤثراته الانطباعية التي رسخت في وجدان الواقع وشكلت وعي ارتباط العامة بقدسية الدين طوق استلاب وتسليم قل أن يتجاوزه التثبت باليقين ضرورة للفهم من منطلق مراجعة التاريخ واستيعاب الأخطاء والنتائج دليلاً للمعالجة والإصلاح   ..

 والقضية في جدوى تمثيل الدين للدولة أن التجارب الزمنية لحضوره هي ميزان الحكم في تقييم طبيعة الأداء بروافده الانعكاسية على الواقع دليلاً على صحة معالجاتها لقضايا وتعقيدات الحياة من عدمها كمرجعية للإصلاح..

وهو القياس المقروء باستيعاب توافقات الهدف من تمثيل التجربة السلطوية للأداء في النتاج كمبدأ عام تحتكم منهجيته لوظيفة الدولة في تثبيت وحدة المجتمع على قاعدة انتظام العلاقات واستقرارها في البناء وفق تمكين الأدوات الصحيحة من معالجة ظروف ومتطلبات الواقع ..

وتلك تتجلى صورها في تلازم التجارب مع تحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على الفقر والبطالة والانحرافات المتناسلة عن الفساد السياسي إلى سلسلة العوامل المؤثرة في خلق أجواء الصراع والتفكك بقضاياهما المتداخلة مع تضييق سبل الاستقرار والأمان المشترك في الحياة..

 وبافتراض ما قد يراه البعض أن كل دين شكل تجربة جديدة وإضافة معرفية لموسوعة الفكر الإنساني في معالجة قضايا الوجود والحياة وأن كل مستجد استهدف تصحيح  اًلمسار الخاطئ الذي انحرفت بمسلكياته الاتجاهات السابقة لظهوره ، إلا أن الشاهد في نهج المؤسسين والمجددين من تابعيهم ظل يعكس امتداد العارض السيكولوجي لنزعة(الأنا) وديدنها في احتراز التفرد اللاهوتي وتوظيفه لاستحقاق التبعية على قاعدة الاحتواء المتضارب..

وهو الأمر الذي عمد صراع الاحتواء بنزعات التفرد في السيطرة على حاكمية الوجود والتي ظلت تلعب عبر مراحل التاريخ دورا سالبا في توجيه سياسة كل دين بمنأى عن استيعاب النظم للقيم والقواعد الأخلاقية ركيزة للتوحيد المفترض بتوافق الإجماع عليها قاعدة كونية لوحدانية وأحديةالإله الخالق استحكم بسقوطها تحول الكهنوت الديني في العقائد المختلفة إلى سلطات فاسدة تعبث بكرامة وحقوق الإنسان المشروعة في الحياة تقودها ضلالات الجهل الأعمى بتداعيات الارتهان للأطماع السلطوية إلى احتراف كل وسائل القهر والاستبداد والنهب المنظم باسم الدين والإله المغيب واستخدام العقيدة وسيلة مقدسة لاستلاب الشعوب وشل حركتها ..

5-الدين والدولة وحتمية التغيير

 من خلال المراجعة التاريخية للتجارب الدينية وما أفرزته السياسات في تمثيل قدسية الارتباط بين الدين والدولة نجد أهم المعضلات التي وقفت عائقاً أمام التغيير ظلت عبر مراحل التاريخ تحتكم لعاملين هما عامل توثيق صلة الإنسان بالإله في التبعية لمنهج الدين وجوب استحقاق وعامل تقييد الهوية الدينية بالحق الإلهي المتفرد باستحقاق تمثيلة لحاكمية الوجود..

وهذين العاملين اختزل كل منها عاضدالإدانة المتدرجة في التمثيل بين تطبيع التدين وسيلة للاستلاب والتواكل المقيد بالارتهان للهوية عقد عصبية متجردة بوجوب التسليم بمعتقداتها والدفاع عنها في سياق الامتثال لطاعة القائمين عليها والالتزام بما جاء على لسانهم أحكاماً قطعية الدلالة..

ولذلك نجد السواد الأعظم من الملتزمين لكل دين غالباً ما يلتقون حول تبرير مسئولية الدين كفكر وعقيدة عن المعطى الزمني لنتاجه في توطين الجهل والتخلف والصراع والقصور في معالجة قضايا وإشكالات الحياة وإلقاء التبعية على الخروج عن الأصول المرجعية للنصوص تشخيصاً لمنازعات الخصوم دون استيعاب بأن صفة التدين في ترجيح العلاقة مع الله شاهدها الأساس تمثيل أحكامه لفضائل المعاملات قاعدة انتظام الصلة بين المخلوق والخالق في الخلق  وأن واقع التفكك بما أجيز لكل مجتهد تفسيره هو بحد ذاته إسقاط لمشروعية الدين في البقاء ..

وتلك إن جاز لنا توثيق مفارقاتها في التجارب الزمنية قد لا نجد لها تفسيراً واضحاً سوى شيطنة الدين للإله مفترقا للاحتواء المتدرج من تجزئته في النصوص والشخوص إلى الافتراق حول توظيفها قاعدة مماثلة للتشظي في صيغة الفرق والكنائس والمذاهب المتعارضة على خط التفرد في السيطرة على الوجود والإنسان والاستحواذ على مقدرات الحياة..

وباعتبار محور القضية في توثيق العلاقة بين الإله والدين والإنسان عقدها الأساس نظام الحياة فحتمية التغيير تفرض مقتضياتها كمطلب إنساني له في ثوابت المعرفة وتطور أدواتها حكم العودة إلى الأصل وفي شواهد الواقع وانحرافاته موجبات الفصل بين استحقاقات المصالح الفئوية واستحقاق الإنسانية للأمان والاستقرار في الحياة ..

 وقد كان لهذا الاتجاه انعكاساته في المسيحية وتجاوزاتها التي خلقت شعوراً مناوئاً لسياسة السلطة الدينية اتسعت في أواخر العصر الوسيط والتي رافق ظهوره توجس القطاع  الواسع من أصحاب المصالح من استمرار سيطرة الدين بصكوكه الجامدة في ظلام الجهل والتخلف وامتهان أدواته لحقوق الإنسان في الحياة وانتج بدوره انبعاث العلمانية في أوروبا الحديث كامتداد للفكر الليبرالي في مرحلة الاستنارة ثم مشروع الحداثة وظهور الاشتراكية العلمية والتي شكلت رافداً للتحول في تغليب العقلانية واستيعاب متطلبات الواقع العلمي والعملي للتطور فيما تبلورت معالمه مع بروز الحرب الباردة وانتصار الأطروحات الليبرالية حول الفرد والدولة والمواطنة والحقوق المشتركة ..

من هنا برزت قضية الفصل بين الدين والدولة كنتاج موضوعي للأحداث التي شهدتها آروبا خلال  العصور المتسلسلة للصراع وكان من مبرراتها التي فرضت واقع التغيير أن قضية العقيدة قضية روحية تجسد علاقة المخلوق  بالخالق  ولا شأن لها بنظام الحكم  وتشخيص ما يجري  من  صراع على أرض الواقع بأنه شأن بشري يندرج في إطار الحراك السياسي والاقتصادي لصراع المصالح ،وإن معظم الحروب التي سقط فيها ملايين الضحايا هي حروب سياسية لا علاقة لها بالدين ..  

 وقد ظهر هذا الاتجاه خلال العصر الوسيط مع قيام ثورة الإصلاح البروتستانتية ضد سلطة الكنيسة في أوربا كرؤية فلسفية أطلقها القس(مارتن لوثر) والتي رسمت مبادئ  الفصل بين الدين و الدولة ودعت إلى الرجوع للأصول المرجعية الصحيحة للدين المسيحي وتحريرها مما علق بها من أخطاء عقائدية وتاريخية ..

 وممالا شك فيه أن هذا التحول كان له بالغ الأثر في تحرير العقل والانفتاح على روافدالتغيير حضورا تخطى مسببات التخلف والركود نحو استيعاب المعرفة لقضايا وميادين التطور والبناء ، بيد أن فلسفة الإصلاح والتجديد ظلت أبعدما تكون عن تشخيص المشكلة في طبيعة الواقع ومرتكزاتها البنيوية لمكونات الدولة في الاتجاه العام لتعزيز مقومات الأمان والاستقرار ..

يأتي ذلك من كون التحول انحسر على توظيف البدائل السياسية لمنظومة الحكم في اعتماد النهج الديمقراطي وسيلة للانتخاب الحر والتداول السلمي للسلطة وغيرها من أطر التغييرالشكلي وبجدواها قل أن ينتظم الهدف العام للنظام في تحقيق الاستقرار للشعوب مالم تستوعب معالجاته أطر ودعائم تعزيز روابط وحدة المجتمع وانتظام علاقاته بالمحيط الإنساني في سياق العمل على بناء الثقة المشتركة بتحييد وانهاء عوامل ومسببات الصراع وأدواته في تركيبة الواقع .. 

 فبالرغم من أن دواعي الفصل بين الدين والدولة كانت لها أسبابها الفاصلة التي وجهت مسار التغيير على مفترق الأحداث المفجعة التي هزت كيان الوجود البشري قبل وخلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، إلا أن بروز عوامل التحول في ظل النتائج التي أفرزتها معادلة القوة على خط المصالح المتضاربة لم تستثني بقاء الدين ركيزة خلفية لاستخدام أدواته مشاريع عبثية استحكم بظلاميتها غياب العقل لتعمد ترابط السلوك الحيواني للإنسان بقوانين الغاب قاعدة للصراع الدولي والأطماع وحب السيطرة على مقدرات الشعوب  المستضعفة..

وتلك مثلما تلازمت مع اتجاهات اللاهوت الديني لاستيعاب المزاوجة بين الدين والدولة وسيلة لاستعباد  وقهر الشعوب باسم الحق الإلهي والتي أفضت بدورها إلى تحول السلطة إلى مطمع لصراع المصالح فهي أيضاً بالرغم من استيعاب النظم الحديثة للتطور المعرفي ظلت تدور في حلقة السباق والصراع السياسي والاقتصادي  على حساب مقدرات الشعوب وحقوقها المشروعة في الأمان والاستقرار..

 والسياق المشترك بين الاتجاهين أن سلطة الدين رغم أنها تقوم على تمثيل الفضيلة مشروعية لاهوتية ركيزتها استيعاب القيم السوية التي تحكم توجيه النظم السياسية نحو تعزيز المسار الصحيح للبناء والتعايش الآمن في الحياة إلا أن تحلله عن تمثيل الهدف في الاتجاه العام لمشاريع الدولة وقف على استفراغ المصالح السلطوية للقيم والأخلاق بوصفها عقد الانضباط والرقيب الرادع  للفعل السياسي المنحرف وانعكاساته على تفكيك روح الشراكة الإنسانية في معالم الطريق الواحد..

 وهو ما تشكلت بطبيعته نظريات الدولة على هامش المصالح المتضاربة للسياسات وأهدافها العائمة في أرجوحة الصراع والأطماع المضمرة خارج نطاق المسئولية المشتركة في تحلل أدوات السلطة من الضابط الأخلاقي والقيمي للسياسة والاقتصاد..

وتلك في طبيعة الاقتران  شواهدها الآتي:

   1- إن منظومة القيم والأخلاق لا تتجزأ بين الدين والدولة والعلم والسياسة والاقتصاد وإنما هي رسالة واحدة هدفها بناء الإنسان وتحقيق سعادته في الحياة وهي الركيزة الأساس لمقومات السلطة وعقدها الأمين على مصالح الشعوب.  

2 -أن مرتكزات الغاية من فصل الدين عن الدولة لم تستهدف على الإطلاق الثورة على التفكير الخاطئ بمعطياته الزمنية على تجارب الواقع بقدر ما استهدفت القائمين عليه كمراكز قوى متخلفة أستوجب تحييدها عن مراكز القرار أعادة صياغة المصالح السياسية بأسلوب مختلف فتح باب الأطماع على مصراعيه بين المنظومات الاقتصادية والدولية وكانت من نتائجه حروب  دفعت الإنسانية ثمنها الملايين من أبنائها و تماهي الدوافع والأسباب في مسلة التحالفات والمواجهات المرتقبة شمولاً بتعويم التعايش الآمن بين شعوب العالم في معادلة الصراع ..    

 3-إن عوامل تغييب القيم والأخلاق عن الدين هوما عكست مسلكياته انحراف السياسات وبدورها انعكست على توجيه العلم والذي افرز واقعاً استثنائياً من السبق العلمي الخاطئ والموجه نحو  تضييق سبل الوفاق بتعزيز فلسفة القوة  ومن ثم بناء الترسانات العسكرية وتحديث أدوات الصراع والسيطرة على مقدرات الشعوب المستضعفة ..

 4-أن قضية الدين والدولة سواءٌ ارتبطت بمرجعية الإله أو الفكر النظري فالهدف منها في الاتجاه العام هو بناء وتنظيم شئون وعلاقات الإنسان بأخيه الإنسان في محور تعزيز روابط الوفاق والانضباط وليس تمثيل السياسات لموازين القوة والصراع على مقدرات الوجود وتسخيرالشعوب وإمكاناتها لتحقيق تطلعات النخب المتنفذة في الحكم للهيمنة المتلازمة مع امتهان كرامة وحقوق المستضعفين ..

 وما نخلص إليه في توثيق إشكالية الدين والدولة أنها ظلت عبر العصور تدور في حلقة تضييق الخناق على الشعوب واستلاب إرادتها في التغيير نحو تحقيق الأمان والاستقرار عبر توظيف الإله العاجز وسيلة للفتنة والصراع اختزلت وجوده مشاريع سلطوية تحكمها لغة المصالح والقوة  باستراتيجية (الغاية تبرر الوسيلة) والتي عززت من اتساع الهوة في دائرة الانقسام العقائدي في الدين الواحد إلى عصبيات طائفية وكنائسية ومذهبية ثم حزبية انحصرت جميعها في محاولة التفرد باحتواء الحق الديني واستحقاقاته وأصبحت صيغة الفصل بين المنهج الواحد أمراً محكوماً بثقافة الجهل والفتنة والصراع المتداخل بين النزعات المتعددة والاتجاهات الفكرية المتضاربة حول مسمى الدين الواحد وعلى رسلها تعاقبت السياسات والنظم المستجدة..

ليست هناك تعليقات: