نبوءة العقل

الدين والغيبيات

 

ارتبطت قضية الغيب في التأصيل الديني بالعديد من المسائل الأساسية التي شكلت حاجز البعد الذهني في قراءة الحقيقة والبحث عن ملابساتها كشاهد مسلكي للإنسان في الحياة واستحقاق الجزاء العادل لفرضية ما بعد الحياة.. منها على سبيل المثال مسئلة عذاب القبر والبعث والجنة والنار ..

ومنطق الوصف في قراءة المشهد أن مرجعية الغيب في سطر الدلالة يقوم على تجريد الانتقال من عالم الكسب الدنيوي إلى عالم الثبات الأزلي وتشخيص الموت كنهاية لرحلة الحياة بانفصال الروح عن الجسد وهو ما نعني به القوة الحسية كمعيار للحركة والتفاعل في طبيعة الحياة ..

غير أن مؤسس الفصل يتجاوز القاعدة الثابتة بتمثيل الحساب والعقاب في القبر وهو ما يعني عودة الروح للجسد أو ملازمتها قبل البعث كشاهد امتثال للمسائلة والعذاب يستثني الدلالة العرضية للتناقض بالتوظيف المشهدي لفكرة الترهيب الديني ومقاصده الدنيوية..

ولأن الثابت في البعث هو عودة الروح للجسد فمعيار التصور للدلالة الأولى وهي عذاب القبر يؤسس القاعدة الثانية على تعزيز التناقض بين المشهدين ..

إذ يؤسس العذاب الأول على امتثال الحس في الجسد بينما يؤسس البعث على عودة الانفصال إلى التجسيد الموازي للحياة , وهو ما يعلله الفكر الديني  بعودة الأجسام المتحللة إلى طبيعتها كشاهد انتقال جمعي من عالم الفناء  إلى عالم البقاء والجزاء الموصول بفكرة الجنة والنار..

وفيما يؤسس البحث في هذه المسائل حكم الضرورة المعرفية للحقيقة الماورائية كقضية محورية في فهم الحق والاستحقاق بين مثلث الوجود (الله والكون والإنسان ) فميزان الجدوى أن غياب الحقيقة المعلومة بشواهدها هو ما ألقى بتوابعه على مشهد التعايش البشري المتضارب بوعي الدلالات والأحكام الفرضية المتناقضة وأوقف الشاهد على اختلال الموازين والتشظي الموبوء بالعصبية للمنهج وثوابت الإيمان والتسليم بخصوصيته دون إعمال العقل في ملابساته.. 

ولأن قاعدة التسليم العقائدي لا يحتكم لقاعدة إلهية واحدة وغالباً ما تتماهى نظرياته عند تمثيل الهوية فقد خلصت النزعات المتضاربة إلى تجميد العقل في الحدود والقيود المؤصلة للهوية وتقييد مرجعيته على الاجتهاد في تمثيل خصوصية الدين وتصويب  مشروعة في دائرة الاستحقاق ..

ومن هنا شكلت الجدوى في تمثيل العقل بطبيعته ووظائفه كمعيار للتشاكل والتفاضل انحسار العقل الديني في الذاتية المؤطرة كقاعدة عقائدية ثابتة لا تقبل التحلل وقفت خصوصيته على تجزئة الحقيقة الواحدة وشخصت قضاياه انفصام العقل الديني كمصدر إلهي تتماهى حقيقته في مشروعية الخلاف والانقسام..

ولأن القيمة في تشريح التباين تقوم على تشخيص القاعدة القياسية للتفكير على سطر التشكل البنيوي للسمات ومقاربة الأحكام والقرائن الجذرية حول العديد من الملابسات التي أحاطت بالدلالة وحكمت توجيهها بالتوظيف الغيبي المبهم , فذلك لأن موضوعية الأحكام بطبيعتها المسلكية لا تقف عند تمثيل الغيبوبة الذهنية بقدر ما تتصدر الموقف الإنساني بنوازعه وأخلاقياته والتي ألقت بمسائله وأحكامه بين أسوار حلم يدور في حلبة الصراع والانتظار الواهم لليوم المشهود بالظهور الثاني لكل دين والفاصل بثبوت الانطباع والتجريد المقيد بثوابت الدين والرسالة ..

ومؤسس الحكم وإن تشاكل فهمه بين البعد الغيبي والتجريد الظلالي للنص الديني وتأويلاته ,إلا أن جذور العلة تكمن في توجيه العقل وإعمال قدراته لتثبيت الهوية الدينية والتسليم المحمول على الاعتقاد الوجوبي بقداسة النص وتقييده باليقين الإيماني كحد فاصل تستثني معادلته الضرورة المعرفية بتجميد الحقيقة خلف حواجز الانطباع ..

ولأن العارض في هذه المسئلة يؤسس الشاهد بثبوت المسئلة في كل دين  على توثيق نسبته إلى الله وتجاوز الفهم الصحيح بقصور العقل فحد التناقض والخلاف الملتبس بتثبيت الحق الديني هو سطر الأكذوبة المنسوبة إلى الله والتي تجاوزت تثبيت وجوده واستحقاقه إلى التوظيف الأعمى لحقيقته وتوجيه مشيئته في الخلق بالامتثال للمعتقد..

 ومن هذا التجويز والتجاوز المشترك بين الأديان بفصل الشاهد وهو العقل عن المشهود وهو النص المعقول فقد وقفت الضرورة في قراءة الالتباس على تحليل العقل كمنظومة اختزال واتصال رابط بين حقيقة الوجود والواجد تؤسس الرؤية على تشخيص العلاقات الفاصلة بين معالم الوجود الواحد ..

وفصل المعنى في استهلال القيمة أن القاعدة الدينية أسست فرضيتها على التصور الذهني للأثر كشاهد غيبي يسترعي وجوبه التسليم من منطلق ثابت جوازه تضييق عجلة الشر في النفس البشرية.. وحدوده أن لكل خطيئة رادع وعقاب إن تجاوز المرء حكمه في الدنيا فلن يتجاوزه بعد الموت..

والحقيقة أننا لسنا على خلاف مع تمثيل الجدوى كمسلمات أخلاقية ترسي قوانين الوجود على التعايش السليم والنهج الثابت في مسلك الحياة .. وإنما خلافنا مع النهج الديني ينطلق من تجاوز العقائد بمختلف صورها للثابت الأخلاقي في مسلماتها بتمثيل التعايش فيما بينها وتحويل الدين إلى عصبية شيطانية تؤسس وجودها على حق الائتمان ومنازعة الآخر أو محاولة إقصائه من الوجود والحياة والانكفاء حول معتقد لا شاهد له سوى جواز نسبة الرسالة إلى الله واستحقاق المبلغ للائتمان على وجوده..

وحين نبحث في الجذور العميقة للفكر الديني المتناقض قل أن نجد حكماً يؤسس فرضيته على حقيقة معلومةً بماهيتها وطبيعتها لإثبات صحتها , بينما نجد الثابت في التأصيل الديني مبنياً على الخلاف المبطن بالوفاق على تجميد العقل في حدود تمثيل النص الديني وتجريد وظيفته على استخدام المنطق (التفاضلي) في حلبة الصراع والخلاف , مطية للتنظير والتأويل والتسطيح المبرر بالعصبية للدين ..

ولأن معيار العصبية والتفاضل المعرفي لا يحتكم لموضوعية التفكير المجرد فقد وقف القياس الديني على استهلال الطبيعة النفسية في ميزان التجربة الذاتية (النشأة والتكوين) للهوية الدينية والتي شخصت بدورها صيغة العقل الجمعي للمحيط الديني وهو الأمر الذي عزز ألوهة الدين والانطباع المفرد بخصوصية الفهم المحدود بطبيعة الرسالة الموازية لطبيعة المبلغ وجانب الحق في تمثيل الألوهة الكونية كحقيقة جامعة شاهدها العقل المفتوح كوسيط متجدد الانبعاث والتواصل مع حقائق الوجود ومفرداته ..

ومن هنا شكلت قضية الآخرة والجزاء في الديانات السماوية شاهد ارتباط وثيق الصلة بمفهوم الحق الديني المعزز بتوظيف الأمر الإلهي وتوجيهه لتطويع البشر للامتثال والطاعة للمبعوث بالرسالة المقيدة بالقداسة والثبات واستحقاق التابعية للدين وحده , واعتبار الخروج عن الدين خروجاً على الله وكفراً بحقيقته ووجوده ..

ولأن القضية في جوهرها هي أهم القضايا المعرفية في الفكر الإنساني باعتبارها المنطلق الرئيس لفهم القضايا المتشعبة في فكر الوجود والحياة , فقد حكمتني الشواهد والأسانيد أن استقصي معالمها من تفكيك الجذور التي أرست ثوابتها في الفكر الديني ونسجت أبعادها خط الافتراق والاشتباك الواهم بامتلاك الله والائتمان على وجوده في قارعة الحياة ..

إذ الثابت في تفكيك الجذور أن لكل بنيان قاعدة ومحيط محدود ولكل سبب علة ولكل حقيقة معالم وشواهد وأدلة دامغة تؤسس في الوعي ثبوتها..

وقراءة الآخرة والجزاء لها سند التدرج المتسلسل في الترتيب والتركيب والاختصاص , ابتداءً من جذرها الأول وهو الخالق (الواحد بكماله) بوصفه الحقيقة الجامعة التي تسلسلت عن وجوده بقية الحقائق وانتهاءً بحقيقة الإنسان واستحقاق الجزاء..

وفيما نستثني الولوج في الخلاف الديني حول تشخيص حقيقة الخالق باعتباره موضوعاً تكرر عرضه في أكثر من موضع, إلا أن الضرورة العلمية تحكمنا أن تستقصي العلل من روافدها وهي قاعدة التسليم التي أوقفت الحق على توظيف الأمر الإلهي في توجيه رسالاته ووقف التشاكل في الأمر على استحقاق المبلغ بالرسالة كشريك مفترض بدعوى نسبة الرسالة إلى الله واستحقاقها لمشروعية لثبات  ووجوب الامتثال لها ..

وسطر التوظيف تستوحى دلالاته من أربعة مسائل أساسية هي:

-المسئلة الأولى : ومعيارها فرضية الأمر الإلهي بين المشيئة والقدرة والاستحقاق ..

وهي ما نعني به صحة الأمر الإلهي بين دواعي التسليم بوجوده وطاعته مفرداً ودواعي التسليم بوجوده وطاعته باستحقاق المبلغ برسالته والتابعية للدين ..

وظلال الشاهد في هذه المسئلة أن طاعة الخالق وقفت على التسليم بالمبلغ ورسالته كشريك في استحقاق التابعية المفردة لدينه وهي حد الطاعة والالتزام .. ولم تقف على استحقاق التسليم بوجود الخالق وحده دون شريك ..

ولو قالت الأديان بغير ذلك لوجب أن يكون التسليم موصولاً بحقيقته المعلومة بصفاته وأفعاله كقرينة ثابتة لقدرته ومشيئته في  توجيه  الخلق على طبيعته (الخيّرة) ومعيار ثابت للجزاء العادل

في الدنيا والآخرة يسترعي توحيد المنهج على حقيقته ..

وفي ذلك ما يؤسس الحكم بوجوب المراجعة والفحص للمقدسات المنسوبة إليه بمرجعية القرائن الثابتة والسند المعلوم بوجوده ..

وقاعدة الاستدلال في تفكيك المسئلة تستثني حكم الاختصاص والتفاضل المقيد باستحقاق الثبات للأولوية في الديانة اليهودية أو التجديد المكمل لشريعة موسى في المسيحية وانتقال الثبات لرسالته أو الدين الناسخ لما قبله والمكمل للشرائع السماوية في الإسلام وحق الثبات والتسليم برسالته باستحقاق الآخر , إلى قراءة المسئلة من وعي الثابت في حكم المصدر الباعث وهو الإله الواحد وقرائن وجوده واستحقاقه, في أربعة شواهد :

الشاهد الأول : أن الخلاف والانقسام حول طاعة الخالق لم يضع المفارقة على قاعدة الثوابت الإلهية كمعيار ثابت لحقيقته الواحدة , وإنما تجاوز الحق الثابت على تمثيل الرسالة الدينية للألوهة المتناقضة واستحقاق المكلف بتبليغها المسند بالقداسة المصدقة والمعززة بتجسيد الألوهة أو الشراكة في الائتمان..

فيما شكل أمر الباعث بخصوصية المعرفة بوجوده سند التوظيف الموجه بالترهيب والترغيب لطاعة المبعوث بالرسالة والدين ..

وفي ذلك ما يؤسس القاعدة الدينية (التوحيدية) على التعدد الإلهي سواء بالتوصيف المتناقض للإله في  معايير الديانات الثلاث أو على مستوى القاعدة الدينية التي تجاوزت أحديته بالشراكة والتجسيد في صور المبلغين ..

الشاهد الثاني : أن عقد التسليم بطاعة الخالق مقومه المعرفة بوجوده وأساس المعرفة بوجوده دليلها وشواهدها معرفة الوجود واستشعار قوانينه ..

ولأن معرفة الوجود شاهدها العقل في استجماع صوره بدلالاتها المرئية والمحسوسة فمعيار الاستشعار أيضاً مقومة طبيعة الصور المختزلة في الحركة والنشاط الذهني والتشخيص والتوجيه المساند للفعل الإرادي واللاإرادي للإنسان ..

وفي ذلك ما يعني أن إسقاط العقل أو تجميده عن مراجعة الأصول الدينية كقاعدة للتثبت لا يعني سوى تجميد المعرفة بصيغتها وطبيعتها في أيقونة النص وتجريد الانبعاث والتجدد المعرفي بتثبيت ألوهة الدين والرسالة كمنحى لإسقاط المشيئة الإلهية في توجيه الخليقة على إعمال العقل في استشعار وجوده بين خير الإنسان وشره , ونفي الضرورة من خلقه بخصوصية التكليف المقدر بتوظيف الاختيار ..

الشاهد الثالث : أن تأسيس نسبة الرسالات الدينية إلى الله مع قصورها في الكشف عن حقيقته وتعليلها بالمغُيّب والمجسد هو تجويز بقصور فهم الدين لحقيقته تعالى وتثبيت مشيئته في الخلق على التناقض والاختلاف.. وفي ذلك ما يعني تثبيت مشيئة الشيطان في تجسيد الشر في غواية الإنسان وتضليله بالتباس حقيقته وتجسيدها في صورة الأنبياء..

الشاهد الرابع : أن مسئلة الترهيب والترغيب ونسبتها إلى الله أمر يتنافى مع موجبات القدرة في توجيه الإنسان على حقيقة الخلق الموازي لحقيقته, وتقدير مشيئته في تكليف العقل وهو سطر (الاختبار) على الامتثال للخوف من عقابه كشرط للمقايضة بين الرب وخالقه (العبادة في مقابل الجنة) أو العكس وهو ما يستثني الصلة أو الرابط المعلوم بمعرفته وتوحيد صفاته كشاهد استحقاق معلوم بحقيقة الخالق..

وتجويزاً لحكم النص الديني على قاعدة الاستدلال المنظور بالأثر فإن التسليم بإغواء الشيطان لآدم وإخراجه من الجنة شاهده المعلوم في الروايات الدينية هو(الترغيب والترهيب) وهو ما يعلل تجسيد طبيعته المنافية لطبيعة الخالق بصيغة التجاوز لأمره تعالى ومشيئته في اختبار آدم , ولو وقفت مشيئته على التقييد لمنع إبليس من تمثيل شيطنته والإيحاء لآدم بما يرده عن غوايته..

وفي ذلك ما يصل بنا إلى أن شاهد الترغيب والترهيب في الدين قاعدته الاعتبارية هي تجسيد خصوصية الدين بصورة المالك لوجود الله المكلف بتجسيد الخوف في نفوس البشر كمطية للتسليم بتابعيته في تمثيل العبادة .. وهو الأمر المتعارض مع وظيفة التوجيه والإرشاد الديني كقاعدة لتثبيت القيم الروحية وتجسيدها في مسلك الحياة ..

 كما أن حد التسليم بالخوف من الله لا جواز له سوى تصوير الخالق بصورة الحاكم المتسلط المحكوم بدواعي النفس في مطلب العبادة كغايةٍ فاصلةٍ في مشيئته من خلق الإنسان يستثني حكمها عقد الكمال في معاني وجوده .. وتؤسس حكم الجمع بين صفة (الإطلاق) والضد(التقييد) في حقيقته تعالى وهو ما يعني نسبة الشيطان إلى طبيعته وتقييد خروجه عن طاعته بالمشيئة.. وهو حد التكليف المنافي لضرورة الحساب والعقاب ..

والقضية أن الفهم الديني المتناقض حول مفهوم الإله الواحد وتوجيه مشيئته هو ما عكس الرؤية المزدوجة في التصور الذهني لحقيقة البعث والجزاء وأوقف المسئلة على التسطيح الغيبي كقاعدة فرضية وجوبها التسليم والإيمان المقيد بعزل العقل عن الفهم , وتوثيق الانطباع الراسخ بقصوره كحيثية تؤسس الحقيقة على ثبوت النص ..

-المسئلة الثانية : ومؤسسها قضية الحياة :                

والحياة هي شاهد وجود الخلق في معنى وجود الخالق , وسطر الحياة مقومها الغاية من خلق الإنسان وشاهد الغاية مقومه بناء الوجود وشاهد البناء مقومه العلم بوجوده وشاهد العلم بوجوده هو العقل وفضل العقل في التفكير وقاعدة التفكير قيم الخالق وصفاته وشاهد المعرفة بصفاته سنده الفصل بين خير الإنسان وشره وشاهد الخير مقومة التحقق بوجوده وشاهد التحقق بوجوده هو العمل الصالح ومقوم العمل الصالح في الفضائل والاخلاق وميزان الفضائل والأخلاق في التوافق والشراكة وقاعدة الشراكة والتوافق في المحبة, وشاهد المحبة هو الارتقاء بالنفس والوجود وهي سطر الغاية في بلوغ السعادة الروحية ومنتهى التدرج نحو الكمال..

ولأن الحياة تقوم على التناقض فقد كانت محل اختبار ساحته العقل وقاعدته الوجود , وحكم التناقض وإن تعددت صوره فقد وقف الشاهد في مرجعيته على المفارقة بين الغاية والوسيلة ووقف اشتراع الوسيلة على ضالة النفس ووقفت ضالة النفس على الطريق والمنهج ووقفت خصوصية المنهج على الاختلاف ووقف الاختلاف على الخلاف الذي أنتج بدوره سلسلة الصراع المتأرجح بين   فرضية الحق والاستحقاق..

وبينما شكل المطلب وعي  التراكم  والتجذر  في  طبيعة  النفس  البشرية  فقد شكل  المنهج  وعي الانعكاس الفردي والجمعي لمفارقات المطلب , في حين وقف العقل شاهد استرقاء النزعة الحيوانية في طبيعة الإنسان واحتراف التشخيص المتجانس في استهلال معارفه وتوظيفه لها على قاعدة التفاضل في التأثير..

ولأن الثابت في تصورنا للحياة هي الحركة والتفاعل فقد شخصت الحياة في وجودنا وعي الاختبار الزمني المحدود والمقدر بنهاية الرحلة العارضة في سياق التواصل الذهني مع الوجود وبناء الذات المقدر بتجسيد معالم الوجود وقوانينه على سطر المشاركة السالبة أو الموجبة في تمثيل الخير أو الشر والتي تجسد بدورها معالم الهدم أو الارتقاء بالوجود كشاهد للتوافق والانتقال للظلال  الموازي  في  سياق  التشكل  النسبي  والذي  يؤسس وعيه الحسي قاعدة الحكم على حقيقته المفردة بالسعادة أو الشقاء في العالم الآخر ..

-المسئلة الثالثة : وظلالها الإنسان

والإنسان هو قاعدة الاستحقاق الأبدي الموجه بشواهد المعرفية وطبيعتها وعقد الاستثناء في الخلق بخصوصية العقل الموازي لحقيقة الخالق باسترقاء ملكة الإحاطة بمظاهر الكون ومفرداته والقدرة على تشخيص قوانينه ..

وحقيقة الإنسان في معادلة الوجود كما أسلفنا في تفصيل نظرية العقل مقومها أربعة مكونات هي العقل والنفس والروح والجسد وسند العقل يقوم على الاستعراف والترجيح كموجه للدلالات المعرفية بتمثيل القاعدة الكونية في طبيعة المسلك ولأن النفس هي قاعدة الاستجماع المعرفي للعقل فقد شكل وعي التراكم والتداخل المتناقض حد التشاكل المتعارض في الفهم بين وعي الاستشراق المعرفي للمظاهر الكونية والتجريد الغيبي للأبعاد فيما شكل الروح وعي المفاهيم الكلية للتداخل الموجه للجسد بتصدر الفعل بانطباعاته..

وفيما وقف تجريد الأحكام على سلطة الموجه المثبت تكوينه بالتداخل فقد مثل تغييب العقل سطر  الإشكال  وغاب  عن  المشهد  أن  الإنسان  بمرجعية  العقل  هو  مصدر  النبوءة  والتجديد والاجتهاد وهو شاهد الوعي والفهم والاستدلال ..

ومرجعية العقل في معالم الذات البشرية كقاعدة ثابتة للإدراك الواعي تستثني حكم الانطباع المعياري للتراكم اللاواعي للفكر المتداخل في النفس البشرية احترازاً لمسألتين :

الأولى : أن وعي التشخيص العقلي مؤسس بمداركه وثابت بمدركاته المعلومة بطبيعتها المرئية والمحسوسة المنافية للتصور الاستبطاني للخيال ما لم يكن له سنده المعلوم بشواهد العلم المثبت..

الثانية : أن وعي الاستدلال النظري في قراءة الأبعاد الماورائية باعتبار غيابها عن الذهن شاهداً غيبياً لا يعني بالضرورة أنها خارج نطاق العقل بدليل الكشوف العلمية التي بلغت أقصى حدود المعرفة بمفردات الكون وأبعاده اللامتناهية ..

ومن هنا فإن محور التشخيص الذهني للغيبيات  يدور في فلك الإنسان كقاعدة موازية للكون ومدار البحث في الأبعاد تستوفي شروطها من معايير التكوين الذاتي للنفس البشرية وروابطها المتسقة مع طبيعة الوجود في نسق ثابت مقاييسه خطوط الاتصال الكهروطيسي بين الصور الكونية وظلالها النسبي في مخيلة العقل .. وقراءة البعد الفراغي بينهما مصدره نسبة الطاقة (القوة الذهنية) في التجربة الذاتية والتي غالباً ما تتدنى أو تتضاءل كمعيار لتداخل الصور الذهنية وتشابكها في العقل التي تستبعد الصورة المطلوبة بخليط من الصور والألوان والأشكال المتراكمة في اللاوعي وتشكل عدم استقرار الحضور الذهني في الاتجاه الثابت للصورة بالتكرار الموازي لاستجماع الصور المرئية بمعدلاتها وتراكيبها في المخيلة .. وأقرب الشواهد على ذلك ما وصل إليه العلم في نقل الصورة المتلفزة عبر الأبعاد الفراغية بمدى قوة الإرسال الموازي لاتجاهات المستقبل أو اللاقط الناقل للصورة ..

ولأن القيمة في فهم العقل هي سطر البيان في تمثيل قدراته فوجه المقاربة بين الصورة الذهنية والظلال تضع القياس المماثل في معايير الفكر النظري على جادة المقاربة الذهنية للأحكام الفاصلة في تجريد البعد الكوني بالمغُيّب وتفكيك الصورة من روابطها في موازين العقل الثابت ..

ومنطق الاستهلال أن الإنسان هو جذر الإشكال في التشخيص المتناقض وقاعدة الوعي الرابط بين دورة الحياة والاستحقاق المعلوم بالجزاء في العالم الآخر ..

وحقيقة الإنسان تقوم على منظومتين رئيسية :

الأولى : منظومة الفكر والخيال

الثانية : منظومة الحس

وموضوعية الفكر تقوم على استجماع المفاهيم والقراءات النظرية في منحى التشكل المعرفي والارتقاء الذاتي بالوعي في تجربة الحياة بينما يؤسس الخيال قاعدة التمثيل الضوئي للصور والأشكال والألوان المنسوخة عن الوجود ..

ولأن مقومات الفكر تحتكم لموازين التفكير فقد اختلفت قدرات البشر على تحليل المفاهيم والقراءات المعرفية ووقف التشخيص الذهني (الفهم) بين غالبية الناس على استرقاء العارض النفسي الموازي للتراكم المعزز بخصوصية النشأة ومؤثرات التكوين الثقافي كنتاج للتشكل المعياري للأفكار والتجذر في المحيط..

ومعيار الفكر النظري غالباً ما يسير على خط الالتزام الثقافي والعقائدي وخصوصاً عند مستوى الأعمار المتوسطة وقلما تبرز بعض الحالات الشاذة التي ترقى بتفكيرها كنتاج لخصوصية التجربة والتنشئة السليمة أو المستجدة بوعي المقاربة الذهنية بين المتناقضات..

ومن هنا فأن الأحكام التي تصدر عن القراءات الذهنية غالباً ما تؤسس الانطباع الذاتي للفرد باستثناء القراءات المنهجية للمتخصصين في مجال الدراسات المعرفية بأنواعها المختلفة..

أما منظومة الحس وهي الأساس في قراءة الشاهد فتنقسم إلى شقين يتعلق الأول بالإحساس الواعي للمعقولات وهو مانعني به وعي الاستقراء الذهني المنظور والمحسوس بأدواته المعلومة.. بينما يعلل الثاني وعي الاستشعار الباطن في طبيعة المشاعر والعواطف والأحاسيس والرغبات وغيرها والتي تؤسس الاتجاه الذاتي للأحكام والقرارات والانطباعات .. 

وشاهد الفصل بين الحالتين أن الإحساس الواعي للجسم هو ما يعلل حكم الإدراك الواعي للصور المرئية والمحسوسة بخصائصها المركبة وطبيعتها المؤثرة بينما يمثل الثاني وعي التراكم المعرفي بطبيعته النسبية والذي يشكل قاعدة الاستشعار الذاتي الموازي لطبيعة المعقولات الموجهة للأحكام..

وما نستخلص من هذه القراءة أن ثنائية الوعي كمنظومة مترابطة ومتداخلة هي المعنية بتجسيد قاعدة الإحساس بالوجود المنظور بإحاطة الجسم المادي للحياة ..

وشاهد الإحاطة الجسمانية تقوم على صيغتين متلازمتين في النسق الانفعالي ومنفصلتين في الحضور الذهني إذ تشكل الأولى وعي التواصل والتفاعل مع العالم الخارجي بينما تشكل الثانية وعي التشكل الباطن للمفاهيم والصور  والأشكال والرموز  وانفعالاتها في  صيغة  الأثر المجسد بصورة العالم الظلالي في أيقونة الروح ..  

ولأن وعي الحياة في الجسد بصيغتها الحركية (الطاقة) قابلة للموت والفناء بحكم ارتباطها بالخلايا العضوية في صيغة البروتين الملازم للخلية فمؤسس الفصل أن عالم الظلال بخصوصية تكوينه المجرد من الظهور الحسي والمتشكل من أدنى مستويات الطاقة كمنظومة دقيقة صيغتها القوى الفكرية كقرينة موازية لحقيقة الجسد هي التي تمثل وعي الانتقال من محيط الجسد إلى عالم الظلال المفتوح في الهباء بحقيقته النسبية .. وهو ما يمكن تعليله (بالمثول بين يدي الله)..

ولأن سطر الحياة مقومه البناء فسطر الانتقال شاهده ثبات البناء على النتيجة في ميزان الأثر والذي يشخص الحكم الموازي لطبيعة الخير والشر في معدل التجربة الذاتية للكسب المبرمج في صيغة الأحاسيس المطابقة للسعادة الحسية أو الألم ..

وقاعدة الاستدلال في تقريب الصورة سنده التالي :

1-                          أن موضوعية الحياة باختصاص البناء منطلقه الثابت هو الارتقاء بالأحاسيس عبر المعرفة نحو تحقيق السعادة الذاتية في الدنيا مع اختلاف وتعدد الوسائل..

2-                          ولأن المعرفة هي المعنية بتقدير الوسائل وفق موازينها التناسبية فقد وقف الخطأ على  تداخل الفكر في اجتباء الوسائل وتشابكها التي شكلت بدورها وعي الصراع الفكري (للأنا السفلى) على تمثيل قياد السلوك واتجاهاته والتي أوقفت تمثيل الألوهة الباطنة الموجهة لقياد النفس على الوسيلة الأقوى كقرينة تمتلك السلطة الذاتية المتفردة في الخصوصية والقدرة على توجيه الوسائل الأخرى نحو تحقيق المطالب الذاتية لاستمرار الحياة , والمتطورة تلقائياً نحو مطلب السعادة في الوجود .. ومن هنا شكل المال عند الغالبية  الوسيلة الأقوى التي  حكمت ظلال النفس البشرية عند غالبية  البشر وساست اتجاهاتها عبر مسيرة الحياة ..

3-                          ولأن الإحساس هو المعني بتجسيد السعادة الذاتية فقد تشكلت طبيعته عند الغالبية العظمى من الناس بطبيعة الوسائل وسقط عنها تجريد الغاية بخصوصيتها المفردة وطبيعتها المعززة بالتوافق والانسجام بين قوانين الوجود والحياة والتي تؤسس بدورها ثوابت الحس لما بعد الحياة ..

4-                          وفيما يقف التوافق والانسجام على تمثيل وحدة الصفات الإلهية كقاعدة معيارية للبناء فشاهد التوافق يؤسس الفكر على استرقاء طبيعتها وتجسيد قواها في الذات كمسلك ثابت يتجاوز الوسائل الدنيوية إلى الحقائق الروحية المتدرجة نحو تشخيص  الكمال  في  معنى  الألوهة  الذاتية الموجهة للمسلك في نطاق الهدف ..

5-                          ولأن وعينا بالصفات يقوم على معرفة الضد المنافي لطبيعة تكوينها واتجاهاتها المسلكية, فالثابت في تمثيل وجودها مقومه استشعار الأثر في مظاهر الوجود وعناصره كمعيار كوني تؤسس خطوطه الظلالية(الطاقة الخلفية) نسيج الأبعاد المتشابكة بين قوانين الوجود  المختلفة ومنها الإنسان..

6-                          وفيما تشكل قاعدة الخلق وعي الحركة والتي شكلت بدورها ظاهرة التوالد والتكاثر والامتداد فقد وقف شاهد الحركة على تمثيل قوة (الدفع والتجاذب) وشكل الدفع مسار التفاعل الأحادي المتداخل نحو الامتداد كما ثبت تحقق الامتداد بالأثر المقيد في حدود الاقتران بالبعد والتشكل في محيط التجسيد المتنامي للعناصر الكونية بخصائص تكوينها وطبيعتها المركبة .. كما شكل التجاذب مسار القوة المجسدة للمظهر الكوني بعناصره الطبيعية بجذب المادة  المماثلة بحكم التكوين المتدني في الحجم والقوة والمؤثر السالب في خصائصها..

وفي ذلك ما يفسر لنا بوضوح معالم القانون الأزلي في توجيه الحركة الفاعلة والمنفعلة في الكون بخصوصية التوافق والتنافر بين العناصر الطبيعية وفصلت موازينها مراتب الصفات الضدية والتي أرست ثوابت الخلق على التماهي في الأثر ..

ولأن قاعدة التشخيص الديني لعالم الغيب يؤسس قاعدة الموت والانتقال على فرضية وجود عالم ما ورائي يتحقق فيه البعث والحساب والعقاب في (الجنة والنار) ففي ذلك ما يعلل الصورة الكونية  بالتجريد المنافي لقياس العقل وهو حد الفصل بين تمثيل قدراته في قراءة الأبعاد الذهنية والحسية بميزان العلاقة بين المعقول والعقل وتجميده في حدود الثابت كقاعدة تلغي وجوب الحكم بموضوعية القرينة المعلومة للعقل بشواهده وإحلال التصور الذهني في صيغة إعمال الخيال  بتشخيص الغيب بالمعلوم المبهم ونسبته إلى الله كشاهد للتسليم بالثبات ..

وبمقتضى الشاهد فإن حقيقة العالم الآخر هي حد التماهي الحسي من المعلوم الظاهر في صورة الوجود الموازي لحقيقة الناسخ وهو الإنسان إلى الصيغة الحسية المجردة من الظهور بنسبتها ومؤسس الحكم على صحتها شاهده قدرة الحس المقيد في محيط الجسد بالانطلاق في المجال الكوني والتفاعل مع مفرداته بخصوصية النسبة التراكمية في إعمال قدراته دون تمثيل  الجسد ..

ومن هنا فإن الشاهد بوجود البعث الجسدي والجنة والنار لا يستند لحقيقة معلومة بقدر ما يعلل الشاهد الحسي للانتقال بالناتج بصيغته المعلومة في ميزان الأثر .

ليست هناك تعليقات: