نبوءة العقل

التدين والعبادات

 

بين شتات العبادات المتعددة وموروث العبودية كقاعدة مسلكية في التاريخ الإنساني ما يدعوا لاستدراك المعنى وتهذيبه من دلالاته اللغوية والوضعية في جواز التمثيل المتعارض مع المشيئة الإلهية وقدرتها في التمكين ..

فالعبودية لغةً هي الانقياد الجبري بالخضوع والتذلل لأمر المسُتعبِد والتحكم باستخدام العبد وتوجيه أفعاله في الحياة  باستحقاق ملكيته الكاملة بصك عبوديته ..

أما العبودية لله فهي قاعدة اعتبارية شرعها التسليم بوجوده وتوحيده في ملكه وملكوته بتمثيل الالتزام والانقياد الاختياري لمعاني وجوده كضوابط أخلاقية تسمو بالسلوك والعلاقات المشتركة في التعايش الإنساني في الحياة ..

وقد تعارفت البشرية على شرع العبودية منذ بداية التاريخ كعارض ممتد للاستحواذ والتملك في الكسب المشروع وغير المشروع للأدوات والوسائل المطلبية المساندة لتذليل صعوبة الحياة ..

فمن امتلاك الأرض والحيوان وتسخيرها وقف التوظيف الموازي لتسخير الإنسان ومن جدوى الصراع والغزو المتبادل بين القبائل وقف التمثيل بالأسرى من الرجال والنساء باسترقاقهم كعبيد مسخرين لخدمة من وقعوا في أسرهم وهكذا وقع التماثل بين معظم الشعوب ممتداً حتى يومنا هذا..

ومن وعي الإنسان بالعبودية شخصت الديانات الآلهة بالمالك والخلق بالعبيد وامتد سفر التشخيص  للديانات التوحيدية لاعتبارات فرضية كان أهمها استشعار عبودية النفس وانقيادها الطوعي للمطلب .. وفي ذلك يقول ابن منظور: (أصل العبودية الخضوع والتذلل.. وعبد الله تألّه له... والتعبّد التنسك، والعبادة الطاعة) ([1] ) .

وقال الفراء : (معنى العبادة في اللغة الطاعة مع  الخضوع ،  ومنه طريق معبد إذا كان مذللاً بكثرة الوطء) (1)   وقال ابن الأنباري (فلان عابد وهو الخاضع لربه المستسلم المنقاد لأمره)  .

أما مفهوم العبودية في الشرع: فقد جاء على لسان ابن القيم : العبودية اسم جامع لمراتب أربع من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح. وقول  اللسان الإخبار عن قول القلب بما فيه من الاعتقاد والدعوة إليه والذب عنه، وتبيين بطلان البدع المخالفة والقيام بذكره وتبليغ أوامره.

فقول القلب هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته على لسان رسله عليهم السلام.

وعمل القلب كالمحبة له والتوكل عليه والإنابة إليه والخوف منه والرجاء له وإخلاص الدين له والصبر على أوامره وعن نواهيه وعلى أقداره والمعاداة فيه والخضوع والذل له وغير ذلك من أعمال القلب. وأعمال الجوارح كالصلاة والحج والجهاد وغيرها) (2 )

نستخلص من هذه التعاريف أن وعي الدين بالعبودية كقضية اعتبارية  ينطلق من تقويم النفس بالخضوع والطاعة لأمر الله وهو لاشك أمر تقديري بافتراض التشابه بين معنى العبودية واستحقاقها ومعيار الولاء  بالطاعة والامتثال لمطلب الإله وأحكامه  ..

غير أن القراءة الموضوعية للمسئلة تستدرك الشاهد من وعي السمات الإلهية ومشيئتها في تصريف قوانين الوجود  على وجه التقدير المقارن بفكرة العبودية كما عرفها الإنسان ..

وشاهد العرض أن مسمى العبودية كتعبير مجازي (اعتباري) بمقوّم الخضوع والامتثال الجبري يتنافى مع مبدأ الحرية المطلقة للمخلوق في حق الاختيار الموجه بالمشيئة الإلهية باختصاص العقل , وسطر التكوين في النفس بدلالاته المختلفة هو وعي الاختيار الموجه بالتنشئة وتطبيع الأفكار التي خلصت إلى تمثيل النزعات والمشاعر والرغبات والدوافع كقوة مانعة وموجهة للعقل نحو تمثيل وجودها..

وباعتبار العبودية هي وعي العلاقة بين العبد والرب فشاهد الخضوع والتذلل والاستكانة مقومه الخوف من غضبه ومطلب العبد في استحقاق الثواب وحده كقيمة موازية للطاعة والامتثال ..

ولذا فإن القيمة الصحيحة في تشخيص العلاقة بين العبد والرب شاهدها الارتقاء ب(المحبة) للذات الإلهية في معاني وجودها كبساط للقرب وصلة وصل ممتد لاجتباء الطريق السوي لتوحيد صفاته والامتثال بها في سطر التوافق مع الخلق في معاني وجوده..

إذ العبودية مطلب شيطاني شاهده نزوع الفكرة الشيطانية من العقل لتجسيد ذاتيتها في النفس والتي نسجت عبوديتها الغواية بالامتثال للمطلب الذاتي والاحتكام لإرادته ورُمز اليها بآدم وخروجه من الجنة..  ومن ثم فالألوهة لا تجسد المستعبد (بصيغة المعبود) بقدر ما تمثل النظام الوصفي للقاعدة التي توحد العلاقة الارتباطية بين الإنسانية الواحدة على حقيقته وتوجه التفاعل في الحياة على الطريق المستقيم..

ومن هنا شكلت القاعدة خاصة الطبيعة الإلهية في شرع الاختيار بين الخير والشر وشاهد امتحان الخلق في دار الجزاء كمسألة وجوبية لحد الاختيار .. كما شكلت أيضاً قاعدة الحاكمية الإلهية في تمثيل عدالته في الدنيا كميزان فاصل بين الحرية الشخصية وتجاوزها لحرية وحقوق الآخرين ..

وقد جاء تقييد الإلوهة بصفة المّلك والمالك كمسئلة اعتبارية قياسها في الأول حاكمية النظام وفي الثانية حاكمية المآل وليس في الصفتين ما يحكم العلاقة في الدنيا بالعبودية ولا في الآخرة أيضاً باعتبارها وصل الجزاء ..

وحين نستدرك المسئلة من قراءة  الدين للسلوك الرباني مع  إبليس حين خرج  عن  طاعته  وهو القاعدة إذ منحه الحق في فعل ما يشاء وقدر جزاءه بالمصير المحتوم ..أما آدم عليه السلام فقد رمز بعصيانه في الانقياد لفتنة الشيطان بالخروج من جنة الروح المخلوقة على الصفاء إلى نار النفس ومطلبها في ظلام الغواية ..

ومن ثم فالدين ليست رسالته العبادة بوعي الطقوس والنواميس .. ذلك أن العبادة لو كانت  مطلباً إلهيًا لخلق الخلق جميعاً متعبدون قائمون بمطلبه وما كان له أن يخلق الملائكة وهي (أنوار الطاعات) قائمون بطاعته على تمثيل قدرته ونظامه في وجوده.

وليس ثمة فكر معرفي أو عقائدي يولد الإنسان حاملاً وعيه وتكوينه ولو شاء الله لخلق الخلق جميعا على هيئة الكمال المعرفي .وجعل الحياة صيغة جامد ة لا تتغير سواء بميزان العبادة الثابت  أو الفكر الجامد.

ففي مشهد العبادات شكلت النواميس والطقوس المصدر الأول للخصوصية العقائدية وتوظيفها في تكريس التطبيع العقائدي بخصوصية الدين ..

 وكثيرًا ما نبحث عن تفسير عقلي لمعنى الطقوس واختلافها بين الأديان والعقائد المتعددة فلا نجد شاهداً لاختلافها غير الإنسان.

فالمسلمون يعبدون الله بطقوس غير التي يعبده  بها  أمة عيسى وأمة  موسى في حين أنها الأسبق في النزول.. وكذلك البوذية والهندوسية وغيرها  تميزت  أيضاً عن غيرها من الديانات بطقوسها ومثلها اختلفت جميع العقائد القديمة عن بعضها البعض ..

 وبدعوى أن الرب واحد فلماذا اختلفت أشكال العبادات  والنواميس ..

 ومن هنا يتضح أن العبادات والنواميس العقائدية هي جزء من  الموروث العقائدي للديانات القديمة وليست خاصة دين بعينه أو فكر إلهي ثابت وهي اجتهادات دعوية تشكلت بخصوصية كل عقيدة كنتاج للتجربة وثقافة الواقع بما في ذلك الديانات الكبرى..

.ومن سياق  الدلالة اللفظية نجد  أن  المعنى الشائع ارتبط بالطقوس أكثر من كونه إشارة للامتثال والالتزام بالواجب المستحق في أمر الله..

إذ العبادة في إرسالية كل دين لم يكن لها نسق ثابت أو شاهد عقلي يعلل جدواها كقيمة عملية غير مفهوم الإنسان للعبودية واستحقاقها .. ذلك أن كل دين استوحى  طقوسه من ملامح عصره التي تتفق ووعي المجتمع في شواهد الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تحكمه .

أما إقامة العبادة فليس الغاية منها أثبات  الولاء والطاعة لله في هيئة  الصلاة أو الصيام أو الدعاء أو غيرها من الطقوس والنواميس أو بأية طريقة من طرق الأديان بقدر ما تعلل وعي المطلب البشري, ولو وجد الإنسان مطلبه في عبادة الشيطان لاستقام على عبادته وآمن باستحقاقه..

ولأن الغاية من العبادة وقفت على تطبيع النفس في تمثيل العبودية لله فقد وجد الشيطان منها منفذاً لتجسيد ألوهته في شخوص الأنبياء والدعاة والنصوص والعبادات وأوقفت الشاهد على حقيقته الذاتية في كل صورة , واستقام حضوره الدين في  مطلب الحاكمية  والائتمان ..

ومن هنا كانت الطاعة للوالدين والقدوة هي طاعة امتنان وشكر قاعدتها الامتثال بالقيم المسلكية المتعارف عليها كشاهد استحقاق للعطاء الأبوي والروابط الأخلاقية.. وكانت طاعة النظام هي عقد الالتزام المشترك تجاه المجتمع في التعايش الآمن وعقد الخضوع للقوانين في مسئولية العدالة تجاه المواطن والدولة , ولم يكن خلاصة الوعي بهما هي العبودية أو امتلاك التابعية .. ومن هنا تشخص الطاعة للاستحقاق العام صلة الوصل بين الرب وخالقه في وحدة العقل والنفس والشاهد الوجداني في وعي الروح  بتجسيد الصفات والقيم العلا فيما تشكل بدورها سطر الامتداد في توحيد ذاته الكريمة والتي يرقى  بها الإنسان سلم السعادة الذاتية في مقامات الوصل الإلهي بين الصفات والأفعال بمسمياتها وتطهير النفس من سلطان أطماعها وبواعثها الآثمة.

ومن هنا لم تكن مشيئة الله في توجيه العقل بالاختيار قاعدة للملكية والاستعباد كاستحقاق إلهي وإنما وقفت على توجيه العقل لخير الإنسان في التشكل بصفاته وتبيين الشر كنقيض لذاته, وفي ذلك ما يعني أن الاستحقاق مقدراً بالكسب المتدرج نحو مراتب الكمال في توحيده كصلة وصل بحقيقته في تمثيل الخير بالسعادة الأزلية ..

ووعي الانتقال الوجداني متدرج من وعي المعرفة بحقيقته إلى وعي النفس والروح بالتجرد الكامل من صروف الدنيا وتداعياتها والوقوف بين يديه تعالي بروح الأمان في حضور الجلال والفناء في حضور البقاء والدهشة في حضور الكمال والتماثل بشواهد رحمته  وأنوار جمالة وحضوره في خلقه.

ولأن العبادة لم تكن غاية إلهية أو شاهد مسلكي للوصول للغاية فقد حكمت علتها تقييد العابد بطبيعتها في مسلك الطقوس الدينية والعقائدية كقرينة لانتظام المثول للوسيلة والاستجابة لها على اختلاف مظاهرها، وأصبح لكل دين هيئته ومظهره وخصوصيته وتجربته الذاتية المنظومة على حقيقة الشيطان..

والامتثال المثبت في حق الله قاعدته مسلكين :

الأول :  مسلك علمي  .

وشاهده التواصل مع الوجود بالبحث والتأمل والدراسة والاطلاع المعرفي  والعلمي  في  شئون  الحياة وعلومها الكونية والإنسانية المختلفة  وأهمها علوم الحياة والأخلاق وبناء الإنسان وتوجيهه.

والتواصل العلمي هو طريق بناء الحياة  بقوانينها المركبة وحلقاتها المترابطة وأصولها الثابتة .. وكل  علم أو معرفة تختص بشئون الحياة  ووسائلها المختلفة  هو جزء من حلقات النظام وقواعده الأخلاقية في مسلك التوحيد ..

الثاني : مسلك عملي .

ومعياره الالتزام في أداء الواجب المستحق  بتقويم النفس بالفضائل والأخلاق والامتثال بقوانين الشراكة مع المجتمع والدولة والأرض وفقاً للقيم والمبادئ العليا الثابتة في مشهد الحياة .

فالطبيب الذي يؤدي  رسالته الإنسانية بأمانة والتزام نحو مرضاه  هو سالك موحد لله في ضميره  وعطائه ..  والموظف الذي يؤدي رسالته الوظيفية بشرف ونزاهة تجاه الآخرين هو سالك موحد لله في ضميره باحترام واجباته ومسئوليته أمام المجتمع .. وتلك هي الأساس في رسالة الدين ..

أما بيوت الله فهي منابر تربوية توجيهية  تجمع الناس بروحانية المحبة والإخاء لمناقشة أمور دنياهم والاستماع إلى أهل العلم والرشاد وتقبل النصح منهم وتوحدهم على كلمة سواء..  

 وباعتبار الشاهد العقائدي في توظيف العبودية والعبادة لله هي استحقاق الثواب في الجنة والعقاب في النار تستوقفنا الدلالة على سطر المعنى أمام فرضيتين   :

الأولى : عقيدة وجود الجنة والنار  وتعارض الديانات الثلاث حولها .

الثانية: البعد الديني لتوظيف المعنى وتوجيهه .

فالعقيدة الظنية بوجود الجنة والنار كقاعدة معرفية أوقفت تصوير الظاهرة على الخلاف بين كلٍ من الديانات الثلاث وقدرت معالمهما على العارض الذهني لمشاهد الوجود:

وفي ذلك تخبرنا التوراة   عن الجنة التي خلقها الله  لادم وحواء :

 ( وَأَنْبَتَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلأَكْلِ، وَشَجَرَةَ الْحَيَاةِ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَشَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ) (التكوين 9)

 وتعلل اليهودية وجود الجنة  على الارض التي نعيش عليها كما تصفها (بجنات عدنٍ) وليس في السماء.. كما جاء أيضاً( وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا)(سفر التكوين15).

كما يحيط بالجنة الارضية اربعة انهار (وَكَانَ نَهْرٌ يَخْرُجُ مِنْ عَدْنٍ لِيَسْقِيَ الْجَنَّةَ، وَمِنْ هُنَاكَ يَنْقَسِمُ فَيَصِيرُ أَرْبَعَةَ رُؤُوسٍ: فِيشُونُ، وجِيحُونُ وَاسْمُ النَّهْرِ الثَّالِثِ حِدَّا قِلُ، وَهُوَ الْجَارِي شَرْقِيَّ أَشُّورَ. وَالنَّهْرُ الرَّابعُ الْفُرَاتُ) ( سفر التكوين 10-14)

وتتفق المسيحية مع اليهودية على عدم وجود جنة مادية تحيطها الأشجار والثمار والأنهار والطيور في العالم الآخر  ذلك أن جنة عدن التي وجدت على الارض وعاش فيها آدم وحواء اغلقت بعد ان طردهما الله منها  .. ويصف لنا الكتاب المقدس ذلك : (فَطَرَدَ الإِنْسَانَ، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ، وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ.) (التكوين 24 )

ووقف تصورهم على الإيمان بملكوت الله في مملكته السماوية التي تسكنها ارواح الملائكة ..

 وحين تقوم  القيامة سيدخلها القديسون والابرار والصالحون  بأروحهم النورانية المفرغة من الأجسام ، قائمين بالتسبيح لله دواماً دون انقطاع  ..

وقد جاء على لسان المسيح في تفسيره لليهود عن الحياة الاخرى قوله : ( فِي الْقِيَامَةِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاء )

اما مشهد الجنة في الاسلام فلها صبغة سماوية غيبية عرضها السماوات والأرض وتحيط بها الحدائق والثمار كما تجري من تحتها أنهار من عسل ولبن و خمر وتحتوي منازل من لؤلؤ وزمرد وياقوت تسكنها الحوريات الابكار، ويعيش فيها المؤمن والمجاهد والشهيد كمكافئة لأفعالهم  في الدنيا يأكلون ويشربون من نعيم خيراتها ويتزوجون الحور العين .. (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) آل عمران 133

 (إن المتقين في جنات وعيون , ادخلوها بسلام آمنيين , ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين , لا يمسهم فيها نصب  وما هم منها بمخرجين) سورة الحجر  45/48

(ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون  يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون) الزخرف 70/71

(مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ) (35) سورة الرعد(وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون , لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون ) الزخرف 72/73

(إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين)سورة الدخان 51/53 (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ، مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ) الطور 19/20

وفي تفسير (النار) يتطابق العهد القديم والعهد الجديد للكتاب المقدس في وصفها (بجهنم ) وجاء استخلاص المعنى من كلمة عبرية لاسم وادي  يقع شرقي اورشليم وخارج اسوار المدينة القديمة هو (جي هنوم ) كان يطلق عليه قديما اسم وادي الموت حيث كان اليهود يلقون فيه النفايات وجثث الموتى من المجرمين وكذلك محرقة للأطفال الذين يقدمون كقرابين للآلهة  في عهد ملوك اسرائيل القدماء , .و كانت جي هنوم أو( جهنم) بالترجمة العربية ذات رائحة كريهة يتصاعد منها ضباب ودخان الحرائق باستمرار، وهي موضع للنجاسة والقاذورات والجثث ونارها لهيب لا تنطفئ .

وقد استعار الكتاب المقدس اسم (جي هنوم) رمزا للتعبير عن العذاب الابدي الذي ينتظر الاشرار بعد الموت والذين لا يؤمنون بالرب ولا ينفذون وصاياه ، بأنهم سيلقون في بحيرة النار والكبريت حيت دودهم لا يموت ونارها لا تنطفئ ..

(اذكر أن الموت لا يبطئ.  ألم يبلغك عهد الجحيم) (سفر يشوع بن سيراخ 14: 12)

(قبل وفاتك اصنع البر فانه لا سبيل الى التماس الطعام في الجحيم) (سفر يشوع بن سيراخ 14: 17)

 (باركوا الرب يا حننيا وعزريا وميشائيل,  سبحوا وارفعوه إلى الدهور؛  لأنه أنقذنا من الجحيم، وخلَّصنا من يد الموت، ونجانا من وسط أتون اللهيب المضطرم ومن وسط النار ) (تتمة سفر دانيال 1: 88)

(إِنْ أَعْثَرَتْكَ عَيْنُكَ فَاقْلَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ أَعْوَرَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ عَيْنَانِوَتُطْرَحَ فِي جَهَنَّمَ النَّارِ) (إنجيل مرقس 9: 47)

(إِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ) (إنجيل متى 5: 30)

نستنتج مما سبق أن فكرة النار في اليهودية والمسيحية تتفق على وجودها الدنيوي كما تتفق على تشخيص العذاب الجسدي للعاصي وفي ذلك ما يعني مخالفة للثواب بصعود الروح إلى الجنة المعدة  للصالحين .. إذ يقول الكتاب المقدس (الراقدين في  تراب  الارض يستيقظون هؤلاء الى الحياة

الابدية وهؤلاء الى العار للازدراء الابدي) سفر دانيال12-الآية2

وجاء في الكتاب المقدس: (هذا هو الإنسان بعد الموت .. جسد يتحول ترابا في الأرض .. وروح تصعد إلى الله في السماء "لان الانسان ذاهب الى بيته الابدي.. فيرجع التراب الى الارض كما كان وترجع الروح الى الله الذي اعطاها) سفر التكوين 38

ويختلف الأمر عند المسلمون في تصوير النار وتقدير وجودها في العالم الآخر والعذاب الجسدي بعد البعث كاستحقاق لجزاء الكافر والعاصي والمخالف للدين ..

  وقد جاء وصف النار في القرآن  :

 ( وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيم ) الواقعة:41/44

( وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) المدثر:27-30

 (والحطمة ما الحطمة* وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ) الهمزة :  5/9

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم : 6   

(وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين)   (24)  سورة البقرة

 (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10)

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) ) سورة آل عمران

 إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) )الأنفال: 36/38

  وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)  ) سورة هود

(إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ

وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ) (4) سورة يونس

 (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً (102)) سورة الكهف

 ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) ) الحج/19/23

وكثيرة هي الآيات الواردة في القرآن والتي وقفت معظمها على الترهيب المقترن  بالآخرة  والعذاب  المنتظر للكافرين بالدين ..

كما جاء وصف جهنم في السنة : ورد عن مسلم عن حديث ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال: (يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)..

نستنج مما سبق أن مفهوم الجنة والنار في الديانات الثلاث هو تشخيص استنتاجي للمفارقة الذهنية للواقع وقفت وظيفتهما على قارعة الترهيب والترغيب المقنن بالتبعية للدين .. ووقف كلٍ منها على الطريق المفارق لاستحقاق الذات الإلهية كقاعدة ثبوتية إلى تجريد الإلوهة بصيغة النص والمبلغ كدليل موضوعي موجهٌ بالنزعة العارضة بالسمات والخصائص البشرية المتعارضة مع المعنى الإلهي كشاهد وصفي للحقيقة الماثلة في اختصاص وجوده ..

وفي ذلك ما يستدعي القراءة الموضوعية لمعنى وجوده تعالى في النفس والحياة :

فالأصل في معنى وجود الإنسان مدركه الإحساس بوجوده , كما أن شاهد الإحساس مقومه الحركة ومقوم الحركة الاتجاه السالب أو الموجب في الفاعلية والنشاط الموازي لمنظومة العلاقات المفتوحة مع مظاهر الوجود ومنها الإنسان .. وقضية الحركة والتفاعل شاهدها الخير في معنى وجوده تعالى أو الشر في دلالة الضد المشار إليه بالشيطان ..

وحين نستخلص القيمة الروحية من  وجوده تعالى فالشاهد الثبوتي مقومه الصفات الإلهية المنظومة على حقيقة الخير في بناء الوجود الكوني بالتوافق بين عناصر الطبيعة الكونية والتي جسدت صيغة الحياة  .. ووقفت حقيقة الشيطان على الصفات الضدية الموازية للهدم في توجيه النظام ..

وقضية وجود الإنسان في صيغة الجسد هي قضية تماثلية لصيغة التركيب التوافقي في مشهد الخلق المادي وقفت طبيعته في البناء على اختصاص العقل في تصويب الاتجاه بحرية مطلقة الاختيار بين تمثيل الخير أو الشر  في قاعدة البناء الذاتي كرافد كوني مصغر بعالمه البسيط لوحدة المنظومة الكونية أو هدمها.. وفي ذلك ما يعني أن العلاقة بين وجود الله والإنسان هي علاقة توحيدية بالصفات والقيم الكونية ترتقي بوجوده إلى أعلى مراتب الوجود ..

ومن هنا فإن قضية وجود الجنة والنار هي  قضية البناء الذاتي في  معقل الإحساس  وتدرجه بالارتقاء نحو تجسيد السعادة الذاتية أو الشقاء ..

بمعنى أن الإنسان في سطر اتصاله بالكون يستقبل الأفكار بطبيعتها السالبة والموجبة كقاعدة معرفية للاختيار المقارن بين الصفة والضد, غير أن القاعدة تختلف حين تستوطن الفكرة  بالتراكم في هباء النفس وتستدعي طبيعتها تمثيل وجودها كقوة مفترضة توجه النشاط الذهني بالتواصل مع مفرداتها وتحكم السلوك بطاقتها وإيقاعاتها الحركية سواء بالسلب أو الإيجاب ..

وبيان الفهم أن الإحساس بالجنة مقومه ارتقاء الحس بالسعادة الروحية المنظومة على التوافق النسبي بين القرائن الموجبة في معاني الخير .. وهو ارتقاء متعاضد بين صور السعادة بمفردات الجمال والكمال الحسي وسلوكياتها في وحدة العقل بالنفس والروح والجسد.. وعلى العكس من ذلك في الشقاء المنظوم على الصراع النفسي في تضارب الأفكار واحترابها على توجيه النفس بأرجحيتها المعززة بالانقسام والتشظي للكيان الواحد.. 

ومن هنا فإن الثابت في موت الجسد هو انفصال (الروح) أي طاقة النشاط الذهني والحسي عن الجسم المادي بعلته الموجبة والسالبة ليواجه مصيره الحسي في هباء ممتد تتجاذبه القوى الكونية بطاقاتها السالبة والموجبة ..

ويمثل وعي الانتقال إلى الهباء مرحلة مستجدة للكيان الحسي المفارق للجسد وهي مرحلة انتقال الروح بطبيعتها للقوة الغالبة على تكوينها (الشر أو الخير).. وهو حد العذاب الحسي للعاصي الموازي لوحدة الطبيعة الشريرة بخصائصها الحسية المعللة بالشقاء والعذاب الدائم ,  بينما يستقر الكيان الموحَّد بمعاني الخير بأحاسيسه في ملكوت الله الواحد المنظوم على التحقق بالسعادة الأزلية بمفرداتها الحسية .. 



 

ليست هناك تعليقات: