نبوءة العقل

لماذا الحقيقة

لماذا الحقيقة؟

منذ بداية وجود الإنسان على ظهر البسيطة وهو ماضٍ في طريق البحث عن الحقيقة ومحاولة فك شفرة الكون لعله يجد فيها مخرجاً للخلاص من الشر المستشري في جسور الحياة وينفض عن كاهله طوق المعاناة والشقاء المتصاعد بين مواجهة أخطار الطبيعة الكونية ومتاهة الخوف من المجهول وبين حاجته لمتطلبات البقاء وتطلعاته للأمان والاستقرار وارتباطها بتعقيدات الواقع  المتخلف وظروفه المتعثرة بحكم سيطرة الجهل وتفشي مظاهر السحر والشعوذة والتي صاغت بدورها ظهور المعتقدات الوثنية بمختلف أشكالها وعنها برزت الأديان والتجارب السلطوية كأولى مراحل التمدن الحضاري وعن تطورها المتسلسل في التاريخ ظهرت المعارف الإنسانية والعلوم الكونية والطبيعية والرياضية وغيرها والتي وقفت حتى يومنا هذا رغم تطور العلم عاجزة أمام حل الإشكال  فيما فرض حضورها تعزيز تناقضات الواقع للتفكك والارتقاء بآلية الصراع ..

وبرغم المحاولات المتسلسلة إلا أن غياب الحقيقة أو بالمعنى الأصح تغييبها في الاحتمالات النظرية ظل يرسم خط الإشكال المتصاعد حتى بات الإنسان هو المعضلة وعقدتها المستعصية على الحل في سياق التحول من التعاطي مع محاولة استيعاب الحقيقة وسيلة للبحث عن الحلول والمعالجات وتماهي المخارج في تعزيز فلسفة الصراع لأهداف السيطرة على الوجود إلى تجسيد همجيته للخطر الداهم ضلوعاً بامتهان الطبيعة الكونية وتعزيز عوامل القضاء على حياة الكوكب الذي يحتويه ناهيك عن الولوج في تقويضه..

ولذلك فنحن نرى الوجود من حولنا مظاهر متعددة  الأشكال والأحجام والصور والألوان والماهيات  تختزلها عقولنا أفكاراً وشواهد معرفية نحكم بها على حقائق وجوده وفق مسلمات التوثيق اللغوي للمفاهيم بيد أننا لا نعلم كيف تحققت قراءتنا بدلالات ومعانى وجودها وما هي صحة الأحكام؟..

وبالمثل نؤمن بأن وراء الوجود خالق استوعبه كل محيط اجتماعي من مسلمات الآباء والأجداد بفكر المؤسس للعقيدة وتصوراته لمعاني القدرة في لاهوت الكون غير أننا لا نعلم عن كهنه واختلاف قراءاتنا لحقيقته وعلاقتنا الارتباطية بوجوده شيئاً سوى ما أقرته لنا أصول الدين والعقيدة المتناقضة وتحققنا به معرفة وحضور..

ومن بهو التناقض نتشكل بهويتنا المتجذرة في جسور التفكك والاختلاف مفترق عصبية عمياء تتنازع امتلاك الحق في حلبة السباق المتآكل برسم الصراع  مشروعية استحقاق عائم في سفور الغيب عقد طاعة واستلاب  لا نرى في متغيراتها سوى وهم الانتصار  للإله العاجز في كل دين شاهد فتنة شيطانية استحكمت بنزعاتها شخصنة البدائل بالقداسة المفرغة بتطويق الإدانة الجبرية لكل دين منهج حياة..

كما نري الحياة في مساحة الزمن صفحات من تاريخ الوجود وأحداثه وعلى جسور حركته نختزل معنى وجودنا رحلة كفاح مسترسل في وجدان البقاء غير أننا قل أن نستشعر امتداد حضورها فينا شاهد انعكاس الواقع بتجاربه الزمنية في تشكيل وتوجيه وعينا المتناقض وتحديد مصائرنا في الحياة .. 

وعلى بيد المفارقات في التعاطي مع معضلات الحياة قل نستوعب الإشكال في تكويننا المعرفي لسان حال التجارب التي أرست متاهة الوعي البشري على ازدواجية وتشابك المفاهيم والأحكام والانطباعات والقيود الملتبسة في الفكر وصاغت  تناقضاتها روح التعايش على هامش اختلال الموازين قاعدة اشتباك متجذر  الفهم  والسلوك والأخلاق  والأدوات ..

ورغم أنناكثيراً ما نلتقي بخلافاتنا حول تمثيل الغاية من وجودنا في الحياة للمطلب الضرورة في الأمان المعيشي والاستقرار المتلازم مع استيعاب قيم الخير في التعايش طريقاً للوفاق والسعادة الأبدية ، إلا أن تجردنا بالذاتية الارتباطية بمقاصد المعرفة المقترنة بتفكيك وحدة الغاية في المصالح ألقى بعواهنه على جهلنا باستفراغ التفكك لانعدام التوازن في تركيبة الواقع  قاعدة ممتدة للصراع ..

 وبيان حال الواقع أن لإشكالية الخلاف والاختلاف جذورها الفكرية التي صاغت وعي الإنسان بالحياة منذ بداية وجوده على ظهر البسيطة على هامش احتراز النفس لعامل الخوف من المجهول ومحاولة تفسير دلالات الوجود والحياة بالقوة الماورائية المعنية بتوجيه وإدارة شئونه والتي تبلورت في شكل العقيدة المتناقضة واختلاف مصوغاتها للألوهة فيما تطورت مع تشكل المجتمع المدني وظهور الدين كمرجعية لنظام لحكم اختزل المشروعية الكونية في توظيف الربوبية رابطاً بين سلطة الدين والدولة وتصدير الحافز النفسي كقرينة لتطويق (الفهم)في حدود الغيبيات وتطويع المجتمع لها وعلى نفس السياق ظلت هذه الظاهرة سمة ممتدة في الاتجاه المتناغم مع التعدد الخلافي وتفرد كل دين بصيغة لاهوته على خط التفاضل والاحتواء المتشابك حول امتلاك الرب وحق التفرد بالائتمان على وجوده خارج سياق القاعدة المشتركة للوجود والحياة .. 

وفصل الخطاب أن تلك القضايا بجذورها الزمنية هي محور  إشكالية الإنسان في استيعاب الغاية من وجوده قاعدة منحرفة عن منظومة العلاقات الكونية والثابتة  في توافقنا على رباعية (الإله الواحد والوجود الواحد والإنسانية الواحدة والحياة المشتركة)والتي أرسى جنوحها تصدير الفكر الديني والسياسيً والمعرفي للصراع والسباق المتعامد مع ترسيم خارطة التفكك البشري لمقاصد التفرد بالوصاية على حكم الوجود والإنسان واختزال منهج الحياة مشاريع عبودية للإله المغيب في البدائل ساحة مضاربة وتسويق دَعّوي حافزه امتلاك الجنة والنار وتوجيه مشيئة الرب وعدالته جانحة استحقاق تبعي صاغت نتائجه انتصار الشر وتربع أدواته على عرش الحياة ..

ولأن بيد الحقيقة وجود خلفيته قوانين ومعادلات ثابتة هي عقد بنيانه وقاعدة انتظامه فقد وقفت إشكاليته على بساط الغموض تراوح بين متاهة التناقض والتوظيف المتعثر بانحسار الفكر في أرجوحة المصالح وانقسام البشرية حولها على هامش الخلاف والاختلاف في تعارض المعارف والقراءات والتي زان اختلال موازينها تغييب الحقيقة في منازعات الحق والاستحقاق واحتدام الصراع  حول تهويم مصير الإنسان في الحياة ..

وعلى بيد ذلك ظلت مسألة البحث عن الحقيقة  تدور في فلك التجاذب الديني والفلسفي والعلمي وتمحور خلافاتها حول تجميد العقل في المقدس المفرغ بتوظيف الدين للنبوءات مسوغاً لتأصيل مرجعيتها اللاهوتية التي تجانست في تعميد قدسية الأنبياء على قاعدة التفويض الإلهي المرجح بتأسيس التسليم بمصداقيتها عقد التزام بتبعيتها وانحسار الفكر الفلسفي والعلمي في الظلال المتأرجح بين تهويم الكشوف في التأويل والتفسير الأمر الذي عزز من اتساع الهوة وامتداد التعقيد في تشكيل نسيج العلاقات البشرية وفق تبعات الخلاف الديني والسياسي والمعرفي وتوظيف أدواتها منابر للصراع والجنوح العبثي الذي أرست غوغائيته شيطنة الحياة حتى يومنا هذا..

وباعتبار الشاهد في ثوابت المعرفة بالحقيقة تلتقي مفاصله حول استيعاب منظومة التكوين وعلاقاته الكونية كقاعدة منهجية للحياة وحيث كان مسوغ وجود الإنسان هو لسان حال المعرفة بها وعقد بنيانها المعني بتمثيل كيانه لموازين الوفاق قرينة متصلة بوحدة الروابط المتسلسلة فتقدير استقامة وحدة العلاقات في الغاية يستوجب حكماً تمثيل الثبات للضوابط الكونية في مبادئ وأحكام المنهج قاعدة لانتظام جسور الحياة.. 

وبمعيار الثابت في منظومة العلاقات الكونية بمجمل قضاياها المستقيمة والمتشابكة شاهدها (الفكر)في معادلة البناء فقد كانت صلة الإنسان في استيعاب روابطه بها مبنية على ضرورة المعرفة بطبيعة الفكر الذي يتشكل بوعيه معرفة ومنهج حياة تنتظم توافقاته على تمثيل الذات للغاية من ارتباطه بنسيج علاقاته بالوجود والحياة بمقتضى استيعاب الموازنة بين متطلباته ومسئولياته تجاه المجتمع المتدرج في التركيبة النمطية بتجسيد روابط الشراكة الأخلاقية لقاعدة الوفاق وجوب التزام كل فرد بواجباته في الارتقاء بسبل وأدوات التعايش الإنساني إلى جادة الانضباط..

ولذلك حين أجيز في تصدير رؤيتي للحقيقة (ثورة) فلست بهذا التوصيف أنزع من وهم عارض أحاط بمخيلتي جلال سناه لأمتري شطط الغرور في إسقاط وتجاوز كل ما وصلت إليه المعرفة البشرية بكشوفها من نتاج زمني أو أتوارى خلف فرضية احتمالية عائمة على خط التنظير الفلسفي المتجدد في تسطيح المعرفة إضافة جديدة لحلبة الصراع  ..

وإنما لكون الرؤية بأسانيدها المثبتة في الكشف عن الحقيقة الغائبة بتفاصيلها الكاملة هي بالمعنى الأول إن جاز فيها ثبوت العلم اليقين ثورة على الدين بما تستقصي من شواهد وأدلة عن ثوابت معنى وجود الله كمحور (للزمكان) المترابط مع وحدة الوجود والإنسان والحياة مقارنة بما وصل إليه واقع الفكر الديني والسياسي من انحطاط فكري وأخلاقي يؤسس دون شك حلقة الامتداد لإشكالية العصور الممتدة نحو فرض حتمية النهاية المرتقبة ..

 وهي بذلك تشكل أيضاً ثورة معرفية على الفكر البشري المتناقض من حيث كونها تعيد بلورة النتاج الزمني للتجارب المعرفية في ضوء الحقائق ومتغيراتها وانعكاساتها على الواقع تماثلت قراءاتها مع الدين في تجويز الفلسفة والعلم لعقلنة القناعة  المعرفية  قاعدة للفهم المتعثر برسم التأطير المتداخل لأدلجة الفكر وتوثيقه بالنتاج الافتراضي لاختلاف وتعدد العقول كشواهد يترجم حضورها ترجيح المسلمات المتعارضة بالحقيقة النسبية لمتغيرات الفهم والاستيعاب ..

وثورة على المصالح والسياسات التي استحكمت عبر العصور المتلاحقة بخصخصة الوجود الواحد إلى خارطة ديموغرافية وكيانات وهويات متناحرة مزقت الشعوب إلى طبقات وأعراق وسلالات وطوائف وأحزاب أرسى حضورها توطين ثقافة الصراع قاعدة منهجية للحياة ..

وبمعيار ترجمتها للحقيقة الغائبة في تشخيص الواقع فهي ثورة على الجهل والظلم والفساد والقهر والجشع والاستغلال  بأمراضها المستشرية في كل مجتمع مظاهر وظواهر مختلفة أستحكم بها جنوح التطلع السلطوي الأعمى لنزعة السيطرة والجشع وحب الاستحواذ على مقدرات الحياة وصاغ نتاجها تفشي مظاهر البطالة والفقر والتخلف والانحراف وانعدام التوازن في تركيبة الشعوب وعلاقاتها الأخلاقية..

وهي أيضاً ثورة علمية شاملة من حيث كونها تستعرض جميع المعضلات التي استعصى على العقل البشري عبرمراحل التاريخ تفكيكها بالإضافة إلى تقديم الحلول والمعالجات المستعصية على العلم وكشوفه توثيقا لضرورة إصلاح الخلل في توجيهه الذي استحكمت به السياسات واتجاهاتها المنضوية خلف سباق التسلح والسيطرة الاقتصادية على منافذ التجارة العالمية..

وعليه إن جاز للرؤية أن تؤسس مشروعاً للحل فلست بذلك أستثني توثيقها رسالة كونية على غرار الوهم العارض في التضليل المزعوم بنزول الوحي الملائكي المتعارف عليه في توظيف مرجعية النبوءات البشرية تأسيساً لعقد استحقاق شرطي مضمر بالاختيار المعمد بالتنزيه والعصمة وما كان لي أن أدعي الكمال منطلقاً للتسامي بطبيعتي أو خروجاً عن الطابع العام..

وإنما سأترك الحكم للقارئ وفطنته إن جاز لبصيرته النفاذ والاستنارة بالفهم والعلم اليقين في تبيان الحق واستحقاقاته معرفة وحجة قد لا أجدلها من سبيل أو دليل يوثق صحة مصداقيتها سوى أن للرؤية كشوفها واستنتاجاتها العلمية الواضحة شمولاً بتصفيف الحقائق وتفنيد الأكاذيب بالأدلة والشواهد والحجج والأسانيد وبديهية الفصل للعقل بوصفه ميزان الترجيح في دراستها وتمحيصها وتقييم أدلتها فصلاً باليقين ..

فإن ثبت فيها شرط الكمال والاستقامة على الطريق الصحيح كان استحقاقها استيعاب رسالتها والالتحام حول تمكينها من إصلاح ما أفسدته بيادق الجهل تيمناً برحمته تعالى على الإنسان عقد وفاق والتزام أخلاقي  يوحد شتات الإنسانية على ثوابتها المعرفية مرجعية ائتمان لإعادة البناء وإن ثبت فيها ما يعلل القصور والجهل والشر والتناقض كان حكمها حكم الأكذوبة في الافتراء على الله حجة وتقويم..

وتبيان القصد أن للحقيقة قضية محورية ثابتة هي حد الفصل بين المعارف البشرية بمجمل قراءاتها العقائدية والفكرية دليلها الشرطي معلوم بصحة الجدوى الافتراضية لانتظام علاقات وروابط الواقع قاعدة منهجية تستخلص ثوابتها مرتكزات الغاية من وجود الإنسان بين الاحتكام للعقل دليلاً يستقصي به استيعاب الخير عقداً وجوبياً لانتظام علاقته وتفاعله مع المحيط موازٍٍ لاستحقاق الأمان والسعادة في الحياة وما بعد الحياة أو الاحتكام لتداعيات النفس في الارتهان للشر مسلكاً للصراع والشقاء في الحياة وشاهداً ثبوتياً لما بعد الحياة..

كما أن حاجة البشرية لفهم الحقيقة هي قبل أن تكون رؤية للخلاص من الشر المتجذر في عمق الواقع ففي مقاصدها ما يؤسس بالمفهوم الصحيح حاجتها للمعرفة بمعنى وجودها في الحياة واستيعاب الوهم الذي عاشت على جهل أوهامه عناء المشقة والصبر مسلوبة الإرادة والوعي بحثاً عن الأمان والاستقرار  في الحياة ..

 ولعل الشاهد في التجارب المسترسلة للفكر الديني بشكل خاص والمعرفي بشكل عام تضليلاً بمعطياتهما المتشابكة في توثيق منازعاته الفكرية لمظاهر وقضايا الواقع كفيل بأن يعكس الصورة الواضحة بملابساتها المنظورة في تصدر الإنسان لعقلنتها تلازماً مع تجسيد حضوره لتعزيز عوامل تجذر الإشكال الزمني المتصاعد دليلاً يكشف ثبوت انحرافه وجهله المتأصل بتغييب العقل في هامش اللاوعي الانطباعي ونزعاته الغائية منطلقاً لتهويم الحقيقة في جدلية الاستحقاق وخلافاته شمولاً بتوثيق الطبيعة الحيوانية المتجردة بالارتهان لقوانين الغاب ..

فمن واقع المقارنة بالتطور الزمني لنتاج المعرفة البشرية نجدها برغم ما وصلت إليه من حضارة مادية وكشوف وعلوم ووسائل وأدوات استطاعت من خلالها النفاذ إلى أبعاد الكون واستطلاع كل ما يدور في محيطة إلا أنها ظلت عبرمراحل تطورها أبعد ما تكون عن تمثيل الهدف للعائد منها مشروعاً لانتظام واستقرار الحياة كمقوم جذري يستوجب تصفيف مبادئ الخير عقداً شرطياً لصلاحيتها بموازاة توجيه دورها لمعالجة القضايا والمشكلات والعوائق المتصلة بظروف ومتطلبات الاستحقاق البشري العام للأمان المعيشي والسلام والاستقرار كمعيار يؤسس توثيق مشروعيتها لانضباط  قواعد وتعاملات الحياة  ..

وهو ما نجده في الاتجاه العام للمعرفة حلقة امتداد النتاج العشوائي للفكر المسترسل بتهويم تلك الشواهد حيث ظلت منازعات الحقيقة عبرمراحل التاريخ أشبه بمتاهة غائمة تتأرجح بين جدلية الخلاف والاختلاف وفلسفة العقل والدين والعلم كقراءات متشابكة ومتجذرة استعصى وفاقها والتقائها حول المعيار الصحيح للمعرفة بثوابت الحقيقة ومتغيراتها والتي شكلت تداخلاتها محورالإشكال النظري وعقدة الفهم والاستيعاب المتعثر بتصدير التناقض والخلاف مسوغاً لتفكيك علاقات وروابط وقيم الحياة ..

 ولعل في ذلك ما نستخلص من ضوء سياقاته تشخيص جذور المعضلة في التركيبة التي استحكمت بجسور الوعي الزمني في صياغة وتوجيه مفاهيم وقراءات الحقيقة وفق تراتبات الواقع المتناقض ورسمت تأصيل الحق في المعرفة الخلافية مفترقاً للتوسع الذي أسدل الستار عن القاعدة المشتركة للعقل الجمعي وصاغ بمحاذير الفكر المتباين مشاريع الانقسام والتعدد الديني والسياسي وما تفرع عنهما في ساحات الاشتباك خلال العصور المتسلسلة لتاريخ الإنسان والصراع الممتد حتى يومنا هذا..

وذلك دون شك كان الشاهد الذي استوقفني أخيراً أمام طبيعة الفهم في الإشكال الزمني وتمحورت دلالاته حول سؤال  افتراضي قل أن تستحضره بديهية المنطق في قراءتنا للواقع منطلقاً لاستيعاب تناقضاته :

_ هل لهذا الوجود بنظامه وتكوينه حقيقة كونية واحدة تستوجب الوفاق والالتقاء على ثوابتها كقاعدة معرفية للفهم؟ أم أن الواقع بتناقضاته المتشابكة باختلاف وتعدد العقول والمفاهيم والقراءات والقناعات الانطباعية هو الحقيقة الثابتة حضورٌ وتمكين؟

وفي ذلك لو سلمنا جدلاً بثبوت التناقض والاختلاف قاعدة معرفية صحيحة لاستيعاب ومعالجة قضايا الوجود والحياة فحكم الدليل يستوجب انتفاء وجود أي إشكال يمكن أن يترتب عليه  اختلال موازين الواقع وبناء عليه تصبح وظيفة العقل مجرد وسيلة لجدلية المنطق الافتراضي لا تحتكم لموازين الفكر وإنما لأيديولوجية القدرة على التأثير والغلبة وتصبح المعرفة خارج نطاق الفهم الصحيح يوجهها قانون الخلاف والصراع بمحاذير القناعة قاعدة كونية مفترضة لمنهجية الحياة وتضليلها شرع متاهة عالقة في شتات الفكر معرفة وتمكين..

وهو الأمر الذي أصبح عرفاً طبيعياً تعيشه الأمم والشعوب لم يفضي عبر مراحل التاريخ إلى نتيجة سوى امتداد الإشكال وبفرضيته ستظل المعرفة البشرية بما خلصت إليه من محاولات وتجارب وعلوم ومعالجات خلافية للقضايا والمشكلات رهينة للافتراضات المنظورة بعقل الصراع ونتاجه كما لا ضرورة تستثني حاجة الواقع  للبحث عن حقيقة يلتقي حولها الوفاق الإنساني بامتداد تماهي انعدام الحاجة للبحث عن حلول لانتظام واستقرار الحياة ..

 وتلك هي الإشكالية التي عايشتها واقعاً من خلال تجربتي في محاولة استيعاب منازعات الفكر الديني من أفق العقل الذي يحكم اتجاهات السواد الأعظم في غالبية المجتمعات وأرست منهجيتي في البحث من خلال المقارنة التاريخية واسترجاع ماوصلت إليه البشرية بنتاجها الحافل بالفوضى والصراع مروراً  بتصدر الواقع الراهن لامتداده بحثاًعن الجذور التي أرست مفارقات الوعي المتباين في تركيبة الفهم وفرض نتاجها تعزيز المعرفة لهيمنة الشر على طبيعة النفس البشرية وامتداده في جسور الحياة فيما وقف تشخيصها المبدئي حول غياب الفهم الصحيح لمعنى العقل ودلالة اقترانه بالإنسان توثيقاً للقيمة المشتركة للأداء الوظيفي بوصفه بوصلة الاستيعاب والتمييز والتدبير ..

وعلى بيد المقاربة  والتشخيص تمحورت قراءتي الأولى في البحث حول (الحقيقة والأكذوبة) في منازعات الفكر الديني والتي شكلت أرضية تغييب العقل في الإيمان وفرضت بدورها حتمية الخوض في محاولةٍ تشريح الإشكال الزمني المتسلسل من طبيعة المفهوم بسياقاته المتعددة وتحليل مخرجاته في دراسة شبه متكاملة ل(نظرية العقل) كقراءة ضمنية متصلة بتفنيد القضايا المتشاكلة في نطاق توظيفه وتحليلها في ضوء تضمين القيم والأخلاق قاعدة شرطية لتوثيق الأداء الصحيح لقراءاته وأحكامه ..

وبرغم حرصي الشديد على توثيق الأدلة بالتناقض والجهل والشر والتوظيف المنصوص عليها في الأصول الدينية  إلا أني ومن خلال متابعتي للمراحل المتلاحقة للنشر والنقاشات المتكررة حول قضايا العقل والدين ورصد ردود الأفعال حولها لم أجد للعقل من وجود وخصوصاً بين الملتزمين للدين بمختلف اتجاهاتهم كما لم أجدفي الوعي المتشظي بنزعاته ومنهم مفكرين وفلاسفة وعلماء في مختلف المجالات من ينشد اليقين في الفهم الصحيح دليلاً ثبوتياً لاستيعاب القضية بمقاصدها وأهدافها كمشروع للحل فكانت النتيجة أني وجدت الواقع محكوماً بما تعارف عليه مورثاً عن الآباء والأجداد لا يأبه بمعرفة أو دليل يتعارض مع ما تشكل به وعيه من مسلمات فيما وقف انطباعي الأخير على أن الأطروحة بأسانيدها المعرفية وحججها العقلية لم تتبلور بعد كدلالة وصفية  للمعالجة ..

وفي سياق البحث عن الأسباب والمعالجات تمحور الإشكال حول اختلال الفهم في تركيبة العقل الديني وركائزه في المعرفة والتأثير وعنه برزت في ومضات الإلهام مشهدية التناقض في الفهم بين رؤية الأديان السماوية لخلق الله لأبونا ( آدم) على حقيقته عقلاً استرقى به تمكينه من المعرفة بالأسماء بوصفها أول نبوءة  (تختزل رمزيتها تحول الجنس البشري من الطبيعة الحيوانية إلى المعنى الإنساني الناطق بكلمته صلة بتمكينه من التوثيق المعرفي للمسميات قرينة عقلية للاستيعاب والتمييز) وبين تجردها عن إطلاق حريته والاكتفاء بتحذيره من الاقتراب من الشجرة المحرمة كدلالة رمزية للنفس بوصفها محل الاختبار ومنفذ الشيطان للانحراف وتداعياتها المضمرة بانحراف الأب في الانقياد لغواية الشيطان وخروجه من جنة السعادة الأبدية ممثلة بوحدة الفكر في الغاية إلى جحيم الشقاء الدنيوي في العصيان الوالج بتحريف قاعدة وجوده وعلى خطاه تماثل ينبه من بعده في تصدير النبوءات المتباينة بتوثيق الجهل معرفة غيبية وجوبها الإدانة الجبرية المنافية لحرية الاختيار بفرضية الإيمان والتسليم بالدين لأجد الحقيقة الغائبة ماثلة في تغييب وجود الله بين إحلال الشخوص والنصوص بدائل استحقاق شرطي لتبعيتها المفردة وبين تضمين العبادات في الطقوس والنواميس بدائل للقيم والأخلاق بوصفها منظومة الوفاق على توحيده صلة وصل بالخلق ومرجعية كونية للعقل الجمعي تنتظم بثوابتها قرائن الاستيعاب والتمييز والتدبير الفاصل بين مقاصد الحق والباطل والخير والشر والثابت والمتغير والصدق والكذب والعلم والجهل قاعدة للمعرفة بالحقائق ومتغيراتها ..

وعنها تجلت المقاربة في استخلاص الشواهد الأسقاط (نبوءة النفس) بوصفها مناط الجهل والشر والتناقض ومنفذ الغواية والانحراف تحققاً بما جاز لي توصيفه(بنبوءة العقل) تيمناً بالفهم المتعارف عليه في الدين وتوثيقاً لمرجعية وجود الله بوصفه العقل الكلي مصدر الإلهام بالحقائق ومتغيراتها (والتي سنعرض لها بصورة مفصلة في الجزء الرابع من الرسالة)..

 وما نخلص إليه في نهاية المطاف أن مجمل قضايا الحقيقة بإشكالاتها المتشابكة حول معرفة الله والوجود والإنسان والحياة هي في بديهية التشخيص الموضوعي قضية الفكر البشري المتعثر بين محاولة استيعاب  النظام الكوني وقوانينه الخلفية قاعدة مرجعية لمنهج الحياة وبين امتراء الغموض والتناقض مرجعية غيبية متجانسة بتغييب الإله في الوسائط بدائل لأحكام ودلالات وجوده وتجميد العقل حول استفراغ الفهم في التفاضل المسند بتأصيل الجهل معرفة شواهدها الأساطير والخوارق والمعجزات  مفترقاً لسباق التفرد باحتواء الحق الديني مشروعية استحقاق تبعي للوصاية على الإنسان والحياة..

وتلك القضيتين لم تقتصر وحسب على الدين منفرداً بقدر ما شكلت حلقة الامتداد الموازي لقراءات الفكرالفلسفي والعلمي وتجاوزهما لاستفراغ المعرفة النسبية قرينة للفهم المتشابك الأمر الذي فرض بدوره تغييب العقل في القناعة كبديل للإيمان استحكمت إشكاليته بتماهي الحقيقة في تعدد واختلاف العقول وتعميدها وسيلة للصراع ..

 من هذا المنطلق كان المدخل لدراسة واستخلاص مباحث الحقيقة قيداً على تحليل (آيدلوجية الفكر) وتشريح مفاصله ومقوماته كعلم يؤسس ركيزة المعرفة في فك شفرة الوجود واستيعاب قضاياه المتداخلة بين ثلاثية (العقل والمعرفة والفهم) وخصائص كل منها الانطولوجية والسيسيولوجيه والسيكولوجية في معادلة التكوين المتباين وصلة كلٍ منها بتشكيل مفارقات الواقع  ..

          وهذه الثلاثية بحكم الترابط في الأداء تحتل مركز الصدارة في الأهمية من حيث كونها  تؤسس قاعدة العلاقة الارتباطية بين الإنسان والوجود بالإضافة إلى كونها تختزل آلية الوعي الذهني والحسي وأدواته المعنية بتشكيل مفارقات القدرة على الاستيعاب والتقييد والتفكيروالإدراك والتواصل صلةً وصل بتصفيف ومعالجة جميع القضايا الفكرية للإشكالات المتعثرة في تجسيد الواقع لمعوقات انتظام الحياة .. 

ليست هناك تعليقات: