باعتبار الإنسان هو الدليل والغاية فقد شكلت قضية
التعاطي مع الوجود والحياة معضلة الفكر الإنساني على جادة المعالجة وظل القصور
شاهد اختلاف وخلاف ممتد بين الأجيال عمّدت نتائجه مفارقات الخلل في الوعي المساند
لاختلال قاعدة التعايش في الحياة..
وبين مفارقات التعاطي وظلام الرؤية ظهرت العديد من
الأفكار والاتجاهات العشوائية الوالجة في قراءة الأبعاد الماورائية للكون على بساط
الاستعراف النظري وكان لبعضها وعي استشراف الظلال المعرفي في توضيح معالم الطريق
السوي للحياة على خط المقاربة النظرية بين الإنسان والوجود..
وبحكم تمثل الشخوص للمعرفة النسبية وتعامد ارتباطها
بالنظم السياسية كمظلة للعقيدة مع ثبوت الافتراق حولها إلا أن مفارقات التأثير بين
العوام شكلت وعي التسليم النظري أو الاحتمالي بالتقييد الإيماني بملكة الشخوص
وتعميدهم بالكمال في سياق تطبيع جهوية الفكر والعقيدة بين الجمهور كمسلم حق لا
يمكن تجاوزه أو تعديله ..
وعلى مر العصور احتلت فكرة الإنسان الكامل حيزاً متشعباً
من قراءات الفكر الفلسفي والديني المتشاكل
حول تشخيص طبيعته وتظهيره كمرجعية معصومة ومنزهة من النقص والخطأ تعامد هذا
التنزيه مع تثبيت لاهوته كقاعدة وجوبية لثبوت الحق في تبعيته وتوطئة لزومية لضرورة
عودته لاستكمال رسالته وتتويج عقيدته بالحقيقة الكاملة التي تنضوي تحت لوائها جميع
العقائد ..
وفيما شخصته البوذية والهندوس في الإنسان المستنير خلصت
اتجاهات الزهد والتصوف في الديانات
السماوية الكبرى إلى تقييد المعنى في
الأنبياء كمبلغين تفردوا بالاختيار الإلهي المرجح بتعميد أهليتهم قبل خلق
السماوات والأرض بالطهارة والصفاء الروحي والقدرة الإلهية الموجهة لتثبيت رسالاتهم
..
وما يعنينا في هذا التشخيص أن فرضية الإنسان الكامل كما
يستدل عليها الفكر الديني بمختلف طوائفه ظل عارض احتراز التوظيف القداسي للدعاة
المعزز بتقييد العصمة والتنزيه الكامل من الأخطاء كمرجعية اختصاص تفردوا بها في
اتحادهم بالوجود كما تراه البوذية والهندوس أو الإله الكوني عند أهل الزهد والتصوف
في الديانات السماوية والتي ساست مفارقة الاجتباء تجسيد الألوهة في الإنسان كعلة
استحقاق للاستنارة المعرفية وشاهد اختيار(المثال) المتجسد بروحانية الألوهة في
الصفات والأفعال..
والحقيقة في كلا القراءتين أن حكم الاتحاد والتجسيد يسير
وحسب على هدي التمثل بالقدوة وجواز التأثير النسبي أو الإحاطة المعرفية وهي أبعد
من أن تقيد الكمال المطلق في النسبة أو الجزء المحدود في طبيعة وقدرة الإنسان..
وجوهر العلة في التقييد أن معادلة التوحيد في الفكر
الديني المتشابك رغم تسليمها بأحدية ووحدانية الألوهة سواءٌ تجسدت في صورة الإنسان
أو الإله الكوني فهي من منحى آخر تجيز تعدد الألوهة في المبلغين وغيرهم ممن بلغوا
مرتبة التوحيد والاستنارة وهو الأمر الذي ألقى بظلاله على فساد الحياة والصراع على
امتلاك وجوده ..
وجواز تعميد الألوهة في المبلغين له حكم التناقض بين
فهمنا للقاعدة اللاهوتية كمنظومة روحية عليا تتفرد أحديتها بالسمو المطلق في
الجلال والجمال والكمال وبين قاعدة الارتباط المادي المقيد بالتجسيد المنافي للقيمة كقرينة نسبية مخلوقة وعلة
مفارقة فيما استخلصها الإنسان من سياق طبيعته وواقعه في ملابسات التداخل الفكري
المتناقض بين مفارقات الوسيلة والغاية..
وهذا الارتباط كان له حكمه في إسقاط فرضية الحلول
والتجسيد على وحدة الثنائية في
اللاهوت دون استشعار المعنى في تجزئة
الإله الواحد وتعدد صوره , ومن ثم استثناء مرجعيته المفردة بالوسيلة المقيدة
لوجوده (الأوثان والشخوص) أو الوسطاء المبلغين بالرسالات المنسوبة إليه..
وعلى ذلك ساس عارض الأسقاط توجيه الأكذوبة المتسلسلة في
السياق الملتبس بالتعدد والخلاف والانقسام المتشظي بالتبعية للاجتهاد المتعارض في
كل عقيدة ودين ..
وعلى ذات السياق تحكمنا القراءة الصحيحة للفهم أن نستوضح
المعنى من أبعاده في حيثيات القاعدة الدينية ومفردات السؤال التالي :
-ما هي دلالات الكمال في الإنسان إن جاز ثبوتها في
الأنبياء؟ وهل يجوز تعميدها بالاختصاص المعرفي في سياق الرسالة أو النبوءة أم
بتمثل الصفات كقرينة اتحاد بالمثل الأعلى وهو الله أم بالاجتباء المقّدر بملّكة
المبلغ في القدرة الإعجازية والتأثير؟
ومن هنا لو جاز لنا تقييد الكمال في المعرفة لوقف الثبوت
فيها على كمال حقيقتها دون نقص أو قصور وفي ذلك ما يعني التقاء الجميع حول صحتها
وانعدام التعارض فيها وهو الأمر الذي لا يجيز في خصوصيتها توظيف الاحتمال أو
الاعتقاد ..
كما لو جاز لنا تقييده في الصفات لوقف الثبوت فيها على تشكل المبلغ
بدلالاتها الروحية الكاملة في تمثل اللاهوت الكوني بدلالاته السوية الموازية
لحقيقة الإله الواحد والوجود الواحد والإنسانية الواحدة وتعامد هذا التشكل مع تجسيد
قواها وقدرتها على التأثير في توجيه القاعدة البشرية على طبيعتها باستحقاق كامل ..
كما لو جاز لنا تقييد الكمال في الاجتباء المعمد
بالملّكة الخاصة كقرينة للإعجاز لجاز لنا به تقرير الثابت في كل ملكة إبداعية يحيط
بها شخص ما على أن حاملها رسول من الله معمد بالاختيار المعزز بالإعجاز وله حكم
التسليم بطبيعته لاهوتاً متفرداً بالحق والاستحقاق..
وباعتبار أن فرضية الإنسان الكامل لها حكم القياد
فمرجعيتها في التكوين لها دلالة الاستثناء في تجسيد ملكات التفرد بالخصوصية
الجامعة لموازين التشكل الذاتي بطبيعة الاستواء المتوازن ..
وشاهد الحال في تصدرها مجازاً بالسوية في الفكر المعرفي
المقترن بتوطين النفس السوية العامدة في تجسيد الصفات القويمة الموجهة للسلوك السوي في معادلة
التفاعل في الحياة الموازي لأرجحية
التأثير في تمُثل القدوة ..
ودلالة القدوة في معادلة الوجود والحياة إن جاز تمثلها
للقيم السوية في معادلة التوحيد فمرجعيتها لا تتجاوز الإنابة في تمثيل الولاية
الدنيوية بحكم الوساطة بالدليل المعرفي الموجه للطريق السوي وفقاً لشروط الاجتباء
في طبيعته وسلوكه كشاهد عدل نافذ البصيرة والحكمة دليله الامتثال للحق البشري
الواحد وما يتجاوز فهمه أو معرفته في استقصاء الحقائق فحكمها للعلم المسند بالحجج
والبراهين والدليل العلمي القاطع .. ولا حكم له في تجسيد اللاهوت أو تمُّثل
القداسة..
وحجتنا في ذلك أن الإنسان بوصفه مخلوقاً بشرياً هو في
حكم التوحيد ظلال النسبة في تجسيد القاعدة الكونية للتوافق بحكم تكوينه ولا يمكن
مقاربة الكمال الإلهي بالظلال النسبي في تكوين الإنسان وهو الأمر الذي يعلل الكمال
في الإنسان في حدود التشكل بالقدوة المحدودة بالوجود النوعي (البشري) وهو ما نعني
به القدرة المحدودة على التأثير في توجيه العلاقات الإنسانية وفق مرجعيته المعززة
بالتوافق العقلي والنفسي والروحي الموازي للشاهد الكوني في معادلة البناء المفرد
بتمثيل القانون الأزلي المتدرج من ُسلّم الصفات والأفعال في موازين القيم السوية
..
ذلك أن الإنسان مهما بلغت قدرته الروحية في التأثير
والتوجيه يستحيل عليه أن يتمثل القدرة في توجيه الكون وتسييره أو الإحاطة
بروحانيته الكاملة في محيط النسبة الضئيلة للجسد أو حتى بعد تحرره من ماديته
ومحيطه..
ومنطق القياس أن جاز لنا تقييد الروح الكونية باللاهوت
هو في حكم النسق المتشعب في كل الظواهر الكونية من مجرات وثقوب سوداء وبيضاء ونجوم وكواكب ومنها أيضاً
العناصر الطبيعية وجميع المخلوقات الحيوانية والنباتية وغيرها كمنظومات متعددة
تحتكم مسارتها في سياق التمثيل الوظيفي للحركة الموجهة وفق معادلة قانون
التوافق الواحد وفي ذلك يستحيل مقاربة
احتوائها بالحيز الضئيل في محيط الإنسان كمرجعية للتوجيه أو الإحاطة بلاهوتها ..
وبيان الفهم في ذلك أن الإنسان الكامل لم يخلق كاملاً
بطبيعته بل تدرج في المعرفة على نسقٍ مشابه للخلق وتشكل بطبيعتها تدريجياً حتى بلغ
مرتبة التشخيص الظلالي للقيم العلى كشاهد اتصال الوعي النسبي بالعقل الكلي
والاقتداء بصفاته وأفعاله ..
وحين نضعه في مرتبة الاتحاد الكامل فنحن نسقط وجودها عن
كل مخلوقاته تعالى لتتجسد وحسب في دائرة الإنسان المتفرد بلاهوت الكون والدليل على
ذلك أن قاعدة التوحيد تقوم على تعميد استحقاق البشر جميعاً للتحقق بها كمثال لوحدة
الخالق بالمخلوق وفي ذلك ما يعلل فرضية تعدد الإنسان الكامل في كل زمان ومكان ..
ومن هنا تصبح القيم هي المعنية بدلالة التوحيد وليس من
اتصف بها أو حمل رسالتها للناس ولو صحت ألوهة القدوة كمرجعية لاهوتية للتوحيد لصح
ثبوت الاتحاد في الشكل والمعنى وهو المستحيل بعينه وصح ثبوت التعدد بديلاً
للوحدانية والتجزئة بديلاً للأحدية..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق